فهرس المطالب
الباب الأول
القول في الموجود الأول
الباب الثاني
القول في نفي الشريك عنه تعالى
الباب الثالث
القول في نفي الضد عنه
الباب الرابع
في نفي الحد عنه سبحانه
الباب الخامس
القول في أن وحدته عين ذاته
الباب السادس
القول في عظمته وجلاله ومجد
الباب السابع
القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه
الباب الثامن
القول في مراتب الموجودات
الباب التاسع
القول في الأسماء التي ينبغي أن يسمى بها
الأولى تعالى مجده
الباب العاشر
القول في الموجودات الثواني وكيفية صدور الكثير
الباب الحادي عشر
القول في الموجودات والأجسام التي لدينا
الباب الثاني عشر
القول في المادة والصور
الباب الثالث عشر
القول في المقاسمة بين المراتب والأجسام
الهيولانية والموجودات الإلهية
الباب الرابع عشر
القول فيما تشترك الأجسام السماوية
الباب الخامس عشر
القول فيما فيه وغليه تتحرك الأجسام السماوية
ولأي شيء تتحرك
الباب السادس عشر
القول في الأحوال التي توجد بها الحركات الدورية
وفي الطبيعة المشتركة لها
الباب السابع عشر
القول في الأسباب التي عنها تحدث
الصورة الأولى والمادة الأولى
الباب الثامن عشر
القول في مراتب الأجسام الهيولانية في الحدوث
الباب التاسع عشر
القول في تعاقب الصور على الهيولي
الباب العشرون
القول في أجزاء النفس الإنسانية وقواها
الباب الحادي والعشرون
القول في كيف تصير هذه القوى والأجزاء
نفسا واحدة
الباب الثاني والعشرون
القول في القوة الناطقة وكيف تعقل وما سبب ذلك
الباب الثالث والعشرون
القول في الفرق بين الإرادة والإختيار وفي السعادة
الباب الرابع والعشرون
القول في سبب المنامات
الباب الخامس والعشرون
القول في الوحي ورؤية الملك
الباب السادس والعشرون
القول في احتياج الإنسان إلى الإجتماع والتعاون
الباب السابع والعشرون
القول في العضو الرئيس
الباب الثامن والعشرون
القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة
خصال الرئيس الأول
خصال الرئيس الثاني
الباب التاسع والعشرون
القول في مضادات المدينة الفاضلة
المدينة الجاهلة
المدينة الفاسقة
المدينة الضالة
الباب الثلاثون
القول في اتصال النفوس بعضها ببعض
الباب الحادي والثلاثون
القول في الصناعات والسعادات
الباب الثاني والثلاثون
القول في أهل هذه المدن
الباب الثالث والثلاثون
القول في الأشياء المشتركة لأهل المدينة الفاضلة
الباب الرابع والثلاثون
القول في آراء أهل المدن الجاهلة والضالة
الباب الخامس والثلاثون
القول في العدل أو في علاقات المدن والأمم
الباب السادس والثلاثون
القول في الخشوع
الباب السابع والثلاثون
القول في المدن الجاهلة
الباب الأول
القول في الموجود الأول
الموجود الأول هو السبب الأول لوجود سائرالموجودات كلها، وهو بريء من جميع أنحاءالنقص. وكل ما سواه فليس يخلو من أن يكونفيه شيء من أنحاء النقص، إما واحدا وإماأكثر من واحد.وأما الأول فهو خلو من أنحائها كلها،فوجوده أفضل الوجود، وأقدم الوجود، ولايمكن أن يكون وجود أفضل ولا أقدم من وجوده،وهو من فضيلة الوجود في أعلى أنحائه، ومنكمال الوجود في أرفع المراتب. ولذلك لايمكن أن يشوب وجوده وجوهره عدم أصلا.والعدم والضد لا يكونان إلا فيما دون فلكالقمر. والعدم هو لا وجود ما شأنه أن يوجدولا يمكن أن يكون له وجود بالقوة، ولا علىنحو من الأنحاء، ولا إمكان أن لا يوجدن ولابوجه ما من الوجوه. فلهذا هو أزلي، دائمالوجود بجوهره وذاته، من غير أن يكون بهحاجة في أن يكون أزليا إلى شيء آخر يمدبقاءه، بل هو بجوهره كاف في بقائه ودواموجوده.ولا يمكن أن يكون وجود أصلا مثل وجوده،ولا أيضا في مثل مرتبة وجوده وجودن يمكن أنيكون له أو يتوافر عليه.وهو الموجود الذي لا يمكن أن يكون له سبببه، أو عنه، أو له كان وجوده. فإنه ليسبمادة، ولا قوامه في مادة ولا في موضوعأصلا. بل وجوده خلو من كل مادة ومن كلموضوع، ولا أيضا له صورة، لأن الصورة لايمكن أن تكون إلا في مادة، ولو كانت لهصورة لكانت ذاته مؤتلفة من مادة وصورة،ولو كان كذلك لكان قوامه بجزئيه اللذينمنهما ائتلف، ولكان لوجوده سبب، فإن كلواحد من أجزائه سبب لوجود جملته، وقدوضعنا أنه سبب أول.ولا أيضا لوجوده غرض وغاية حتى يكون، إنماوجوده ليتم تلك الغاية وذلك الغرض، وإلالكان يكون ذلك سببا ما لوجوده، فلا يكونسببا أولا.ولا أيضا استفاد وجوده من شيء آخر أقدممنه، وهو من أن يكون استفاد ذلك مما هودونه أبعد.؟الباب الثاني
القول في نفي الشريك عنه تعالى
وهو مباين بجوهره لكل ما سواه، ولا يمكنأن يكون الوجود الذي له لشيء آخر سواه، لأنكل ما وجوده هذا الوجود لا يمكن ان يكونبينه وبين شيء آخر له أيضا هذا الوجودمباينة أصلا، ولا تغير أصلا، فلا يكوناثنان، بل يكون هناك ذات واحدة فقط؛ لأنهأن كانت بينهما مباينة كان الذي تباينا بهغير الذي اشتركا فيه، فيكون الشيء الذيباين كل واحد منهما الآخر جزءا مما به قواموجودهما، والذي اشتركا فيه هو الجزءالآخر، فيكون كل واحد منهما منقسامابالقول، ويكون كل واحد من جزئيه سببالقوام ذاته، فلا يكون أولا بل يكون هناكموجود آخر أقدم منه هو سبب لوجوده؛ وذلكمحال.وإن كان ذلك الآخر هو الذي فيه ما باين بههذا، ولم يكن في هذا شيء يباين به ذلك إلابعد الشيء الذي به باين ذلك، لزم أن يكونالشيء الذي به ياين ذلك الآخر هذا، هوالوجود الذي يخص ذاك. ووجود هذا مشتركلهما، فإذن ذلك الآخر وجوده مركب من شيئين:من شيء يخصه، ومن شيء يشارك به هذا. فليسإذن وجود ذاك هو وجود هذا، بل ذات هذا بسيطغير منقسم، وذات ذلك منقسم. فلذلك إذن جزآنبهما قوامه. فلوجوده إذن سبب فوجوده إذندون وجود هذا وأنقص منه. فليس هو إذن منالوجود في الرتبة الأولى.وأيضا، فإنه لو كان مثل وجوده في النوعخارجا منه شيء آخر، لم يكن تام الوجود، لأنالتام هو ما لا يمكن أن يوجد خارجا منهوجود من نوع وجوده وذلك في أي شيء كان؛ لأنالتام في العظم هو ما لا يوجد عظم خارجامنه، والتام في الجمال هو الذي لا يوجدجمال من نوع جماله خارجا منه، وكذلك التامفي الجوهر هو ما لا يوجد شيء من نوع جوهرهخارجا منه؛ وكذلك كل ما كان من الأجسامتاما، لم يكن أن يكون من نوعه شيء آخرغيره، مثل الشمس والقمر وكل واحد منالكواكب الأخر. إذا كان الأول تام الوجودلم يمكن أن يكون ذلك الوجود لشيء آخر غيره،فإذن هو منفرد الوجود وحده، فهو واحد منهذه الجهة.
الباب الثالث
القول في نفي الضد عنه
وايضا فإنه لا يمكن أن يكون له ضد، وذلكيتبين إذا عرف معنى الضد، فإن الضد مباينللشيء؛ فلا يمكن أن يكون ضد الشيء هو الشيءأصلا. ولكن ليس كل مباين هو الضد، ولا كل مالم يمكن أن يكون هو الشيء هو الضد. لكن كلما كان مع ذلك معاندا، شأنه أن يبطل كلواحد منهما الآخر ويفسده إذا اجتمعا،ويكون شأن كل واحد منهما أنه أن يوجد حيثالآخر موجود يعدم الآخر، ويعدم من حيث هوموجود فيه لوجود الآخر في الشيء الذي كانفيه الأول. وذلك عام في كل شيء يمكن أن يكونله ضد. فإنه إن كان الشيء ضدا للشيء فيفعله، لا في سائر أحواله، فإن فعليهما فقدبهذه الصفة. فإن كانا متضادين فيكيفيتهما، فكيفيتهما بهذه الصفة، وإنكانا متضادين في جوهرهما، فجوهرهما في هذهالصفة.وإن كان الأول له ضد فهو من ضده بهذهالصفة، فيلزم أن يكون شأن كل واحد منهما أنيفسد، وأن يمكن في الأول أن يبطل عن ضده،ويكون ذلك في جوهره، وأن يمكن في الأول أنيبطل عن ضده، ويكون ذلك في جوهره. وما يمكنأن يفسد فليس قوامه وبقاؤه في جوهره، بليكون جوهره غير كاف في أن يبقى موجودا؛ ولاأيضا يكون جوهره كافيا في أن يحصل موجودا،بل يكون ذلك بغيره. وإما ما أمكن أن لا يوجدفلا يمكن أن يكون أزليا، وما كان جوهره ليسبكاف في بقائه أو وجوده، فلوجوده أو بقائهسبب آخر غيره، فلا يكون أولا. وأيضا فإنوجوده إنما يكون لعدم ضده. فعدم ضده إذن هوسبب وجوده، فليس إذن هو السبب الأول علىالإطلاق.وأيضا فإنه يلوم أن يكون لهما أيضا حيث مامشترك، قابل لهما، حتى يمكن بتلاقيهما فيهأن يبطل كل واحد منهما الآخر، إما موضوع أوجنس أو شيء آخر غيرهما؛ ويكون ذلك ثابتا،ويتعاقب هذان عليه. فلذلك إذن هو أقدموجودا من كل واحد منهما.وإن وضع واضع شيئا غير ما هو بهذه الصفة ضدلشيء، ليس الذي يضعه ضدا، بل مباينة أخرىسوى مباينة الضد؛ ونحن لا ننكر أن يكونللأول مباينات أخر سوى مبانية الضد وسوىما يوجد وجوده.فإذن لم يمكن أن يكون موجود ما في مرتبةوجوده، لأن الضدين هما في رتبة واحدة منالوجود.فإذن الأول منفرد بوجوده، لا يشاركه شيءآخر أصلا موجود في نوع وجوده. فهو إذن واحد.وهو مع ذلك منفرد أيضا برتبته وحده. فهوأيضا واحد من هذه الجهة. الباب الرابع
في نفي الحد عنه سبحانه
وأيضا، فإنه غير منقسم بالقول إلى أشياءبها تجوهره، وذلك لأنه لا يمكن أن يكونالقول الذي يشرح معناه يدل كل جزء منأجزائه على جزء مما يتجوهر به، فإنه إذاكان كذلك كانت الأحزاء التي بها تجوهرهأسبابا لوجوده على جهة ما تكون المعانيالتي تدل عليه أجزاء حد الشيء أسبابالوجود المحدود، وعلى جهة ما تكون المادةوالصورة أسبابا لوجود المتركب منهما. وذلكغير ممكن فيه، إذ كان أولا وكان لا سببلوجوده أصلا.فإذا كان لا ينقسم هذه الأقسام، فهو من أنينقسم أقسام الكمية وسائر أنحاء الإنقسامأبعد. فمن هنا يلزم ضرورة أيضا أن لا يكونله عظم، ولا يكون جسما أصلا، فهو أيضا واحدمن هذه الجهة، وذلك أن أحد المعاني التييقال عليها الواحدن هو ما لا ينقسم. فإن كلشيء كان لا ينقسم من وجه ماء، فهو واحد منتلك الجهة التي بها لا ينقسم؛ فإنه إن كانمن جهة فعله، فهو واحد من تلك الجهة، وإنكان من جهة كيفيته، فهو واحد من جهةالكيفية. وما لا ينقسم في جوهره فهو واحدفي جوهره فإذن كان الأول غير منقسم فيجوهره. الباب الخامس
القول في أن وحدته عين ذاته
وأنه تعالى عالم وحكيم وأنه حق وحي وحياةفإن وجوده الذي ينحاز عما سواه منالموجودات لا يمكن أن يكون غير هو به فيذاته موجود. فلذلك يكون انحيازه عن ما سواهتوحده في ذاته. وإن أحد معاني الوحدة هوالوجود الخاص الذي به ينحاز كل موجودالوجود الذي يخصه، وهذا المعنى من معانيالواحد يساوق الموجود الأول. فالأول أيضابهذا الوجه واحد، وأحق من كل واحد سواهباسم الواحد ومعناه.
الباب الثالث
القول في نفي الضد عنه
وايضا فإنه لا يمكن أن يكون له ضد، وذلكيتبين إذا عرف معنى الضد، فإن الضد مباينللشيء؛ فلا يمكن أن يكون ضد الشيء هو الشيءأصلا. ولكن ليس كل مباين هو الضد، ولا كل مالم يمكن أن يكون هو الشيء هو الضد. لكن كلما كان مع ذلك معاندا، شأنه أن يبطل كلواحد منهما الآخر ويفسده إذا اجتمعا،ويكون شأن كل واحد منهما أنه أن يوجد حيثالآخر موجود يعدم الآخر، ويعدم من حيث هوموجود فيه لوجود الآخر في الشيء الذي كانفيه الأول. وذلك عام في كل شيء يمكن أن يكونله ضد. فإنه إن كان الشيء ضدا للشيء فيفعله، لا في سائر أحواله، فإن فعليهما فقدبهذه الصفة. فإن كانا متضادين فيكيفيتهما، فكيفيتهما بهذه الصفة، وإنكانا متضادين في جوهرهما، فجوهرهما في هذهالصفة.وإن كان الأول له ضد فهو من ضده بهذهالصفة، فيلزم أن يكون شأن كل واحد منهما أنيفسد، وأن يمكن في الأول أن يبطل عن ضده،ويكون ذلك في جوهره، وأن يمكن في الأول أنيبطل عن ضده، ويكون ذلك في جوهره. وما يمكنأن يفسد فليس قوامه وبقاؤه في جوهره، بليكون جوهره غير كاف في أن يبقى موجودا؛ ولاأيضا يكون جوهره كافيا في أن يحصل موجودا،بل يكون ذلك بغيره. وإما ما أمكن أن لا يوجدفلا يمكن أن يكون أزليا، وما كان جوهره ليسبكاف في بقائه أو وجوده، فلوجوده أو بقائهسبب آخر غيره، فلا يكون أولا. وأيضا فإنوجوده إنما يكون لعدم ضده. فعدم ضده إذن هوسبب وجوده، فليس إذن هو السبب الأول علىالإطلاق.وأيضا فإنه يلوم أن يكون لهما أيضا حيث مامشترك، قابل لهما، حتى يمكن بتلاقيهما فيهأن يبطل كل واحد منهما الآخر، إما موضوع أوجنس أو شيء آخر غيرهما؛ ويكون ذلك ثابتا،ويتعاقب هذان عليه. فلذلك إذن هو أقدموجودا من كل واحد منهما.وإن وضع واضع شيئا غير ما هو بهذه الصفة ضدلشيء، ليس الذي يضعه ضدا، بل مباينة أخرىسوى مباينة الضد؛ ونحن لا ننكر أن يكونللأول مباينات أخر سوى مبانية الضد وسوىما يوجد وجوده.فإذن لم يمكن أن يكون موجود ما في مرتبةوجوده، لأن الضدين هما في رتبة واحدة منالوجود.فإذن الأول منفرد بوجوده، لا يشاركه شيءآخر أصلا موجود في نوع وجوده. فهو إذن واحد.وهو مع ذلك منفرد أيضا برتبته وحده. فهوأيضا واحد من هذه الجهة. الباب الرابع
في نفي الحد عنه سبحانه
وأيضا، فإنه غير منقسم بالقول إلى أشياءبها تجوهره، وذلك لأنه لا يمكن أن يكونالقول الذي يشرح معناه يدل كل جزء منأجزائه على جزء مما يتجوهر به، فإنه إذاكان كذلك كانت الأحزاء التي بها تجوهرهأسبابا لوجوده على جهة ما تكون المعانيالتي تدل عليه أجزاء حد الشيء أسبابالوجود المحدود، وعلى جهة ما تكون المادةوالصورة أسبابا لوجود المتركب منهما. وذلكغير ممكن فيه، إذ كان أولا وكان لا سببلوجوده أصلا.فإذا كان لا ينقسم هذه الأقسام، فهو من أنينقسم أقسام الكمية وسائر أنحاء الإنقسامأبعد. فمن هنا يلزم ضرورة أيضا أن لا يكونله عظم، ولا يكون جسما أصلا، فهو أيضا واحدمن هذه الجهة، وذلك أن أحد المعاني التييقال عليها الواحدن هو ما لا ينقسم. فإن كلشيء كان لا ينقسم من وجه ماء، فهو واحد منتلك الجهة التي بها لا ينقسم؛ فإنه إن كانمن جهة فعله، فهو واحد من تلك الجهة، وإنكان من جهة كيفيته، فهو واحد من جهةالكيفية. وما لا ينقسم في جوهره فهو واحدفي جوهره فإذن كان الأول غير منقسم فيجوهره. الباب الخامس
القول في أن وحدته عين ذاته
وأنه تعالى عالم وحكيم وأنه حق وحي وحياةفإن وجوده الذي ينحاز عما سواه منالموجودات لا يمكن أن يكون غير هو به فيذاته موجود. فلذلك يكون انحيازه عن ما سواهتوحده في ذاته. وإن أحد معاني الوحدة هوالوجود الخاص الذي به ينحاز كل موجودالوجود الذي يخصه، وهذا المعنى من معانيالواحد يساوق الموجود الأول. فالأول أيضابهذا الوجه واحد، وأحق من كل واحد سواهباسم الواحد ومعناه.
فإن الحركة والزمان واللانهاية والعدموأشباهها من الموجودات فالمعقول من كلواحد منها في نفوسنا معقول ناقص، إذ كانتهي في أنفسها موجودات ناقصة الوجود.والعدد والمثلث والمربع وأشباههافمعقولاتها في أنفسنا أكمل لأنها هي فيأنفسها أكمل وجودا، أن يكون المعقول منهفي نفوسنا على نهاية الكمال أيضا. ونحن نجدأمر على غير ذلك، فينبغي أن نعلم أنه منجهته غير معتاص الإدراك، إذ كان في نهايةالكمال؛ ولكن لضعف قوى عقولنا نحنولملابستها المادة والعدم، يعتاص إدراكهويعسر علينا توصره، ونضعف من أن نعقله علىما هو عليه وجوده، فإن افراط كمالهيبهرنا، فلا نقوي على تصوره على التمام،كما أن الضوء هو أول المبصرات وأكملهاوأظهرها، به يصير سائر المبصرات مبصرة،وهو السبب في أن صارت الألوان مبصرة. ويجبفيها أن يكون كل ما كان أتم وأكبر، كادراكالبصر له أتم. ونحن نرى الأمر على خلافذلك، فإنه كلما كان أكبر كان أبصارنا لهأضعف، ليس لأجل خفائه ونقصه، بل هو في نفسهعلى غاية ما يكون من الظهور والاستنارة؛ولكن كماله، بما هو نور يبهر الأبصار،فتحار الأبصار عنه.كذلك قياس السبب الأول والعقل الأولوالحق الأول، وعقولنا نحن. ليس نقص معقولهعندنا لنقصانه في نفسه، ولا عسر إدراكناله لعسرة في وجوده، لكن لضعف قوى عقولنانحن عسر تصوره.فتكون المعقولات التي هي في أنفسناناقصة، وتصورنا لها ضعيف. وهذا على ضربين:ضرب ممتنع من جهة ذاته أن يتصور فيعقلتصورا تاما لضعف وجوده ونقصان ذاتهوجوهره، وضرب مبذول من جهة فهمه وتصورهعلى التمام وعلى أكمل ما يكون.ولكن أذهاننا وقوى عقولنا ممتنعة، لضعفهاوبعدها عن جوهر ذلك الشيء، من أن نتصورهعلى التمام وعلى ما هو عليه من كمالالوجود. وهذان الضربان كل واحد منهما هو منالآخر في الطرف الأقصى من الوجود: أحدهمافي نهاية الكمال، والآخر في نهاية النقص.ويجب إذا كنا نحن ملتبسين بالمادة، كانتهي السبب في أن صارت جواهرنا جوهرا يبعد عنالجوهر الأول، إذ كلما قربت جواهرنا منه،كان تصورنا له أتم وأيقن وأصدق. وذلك أناكلما كنا أقرب إلى مفارقة المادة كانتصورنا له أتم، وإنما نصير أقرب إليه بأننصير عقلا بالفعل. وإذا فارقنا المادة علىالتمام يصير المعقول منه في أذهاننا أكملما يكون. الباب السادس
القول في عظمته وجلاله ومجد
وإن العظمة والجلالة والمجد في الشيءإنما يكون بحسب كماله، إما في جوهره، وإمافي عرض من خواصه. وأكثر ما يقال ذلك فينا،إنما هو لكمال ما لنا في عرض من أعراضنا،مثل اليسار والعلم، وفي شيء من أعراضالبدن.والأول، لما كان كماله باينا لكل كمال،كانت عظمته وجلاله ومجده باينا لكل ذيعظمة ومجد، وكانت عظمته ومجده الغاياتفيما له من جوهره لا في شيء آخر خارج عنجوهره وذاته؛ ويكون ذا عظمة في ذاته وذامجد في ذاته؛ أجلّه غيره أو لم يجله، عزمهغيره أو لم يعظمه، مجده غيره أو لم يمجده.والجمال والبهاء والزينة في كل موجود هوأن يوجد وجوده الأفضل، ويحصل له كمالهالأخير. وإذ كان الأول وجوده أفضل الوجود،فجماله فائق لجمال كل ذي الجمال، وكذلكزينته وبهاؤه.ثم هذه كلها له في جوهره وذاته؛ وذلك فينفسه وبما يعقله من ذاته. وأما نحن، فإنجمالنا وزينتنا وبهاءنا هي لنا بأعراضنا،لا بذاتنا؛ وللأشياء الخارجة عنا، لا فيجوهرنا. والجمال فيه والكمال ليسا هما فيهسوى ذات واحدة، وكذلك سائرها.
واللذة والسرور والغبطة، إنما ينتج ويحصلأكثر بأن يدرك الأجمل والأبهى والأزينبالادراك الأتقن والأتم. فإذا كان هوالأجمل في النهاية والأبهى والأزين،فإدراكه لذاته الإدراك الأتقن في الغاية،وعلمه بجوهره العلم الأفضل على الإطلاق،واللذة التي يلتذ بها الأول لذة لا نفهمنحن كنهها ولا ندري مقدار عظمها إلابالقياس والإضافة إلى ما نجده من اللذة،عندما نكون قد أدركنا ما هو عندنا أكملوأبهى ادراكا، وأتقن وأتم، إما بإحساس أوتخيل أو بعلم عقلي. فإنّا عند هذه الحاليحصل لنا من اللذة ما نظن أنه فائق لكل لذةف يالعظم، ونكون نحن عند أنفسنا مغبوطينبما نلنا من ذلك غاية الغبطة، وإن كانت تلكالحال منا يسيرة البقاء سريعة الدثور.فقياس علمه هو وإدراكه الأفضل من ذاتهوالأجمل والأبهى إلى علمنا نحن، وإدراكناالأجمل والأبهى عندنا، هو قياس سرورهولذته واغتباطه بنفسه إلى ما ينالنا مناللذة والسرور والإغتباط بأنفسنا. وإذنكأن لا نسبة لادراكنا نحن إلى إدراكه، ولالمعلومنا إلى معلومه، ولا للأجمل عندناإلى الأجمل من ذاته؛ وإن كانت له نسبة فهينسبة ما يسيرة. فإذن لا نسبة لإلتذاذناوسرورنا واغتباطنا لأنفسنا إلى ما للأولمن ذلك. وإن كانت له نسبة فهي نسبة يسيرةجدا. فإنه كيف يكون نسبة لما هو جزء يسيرإلى ما مقداره غير متناه في الزمان، ولماهو أنقص جدا إلى ما هو في غاية الكمال.وإن كان ما يلتذ بذاته ويسر به أكثرويغتبط به اغتباطا أعظم، فهو يحب ذاتهويعجب بها إعجاباً بنسبته. ونسبته إلىعشقنا لما نلتذ به من فضيلة ذاتنا كنسبةفضيلة ذاته هو، وكمال ذاته، إلى فضيلتنانحن وكمالنا الذي نعجب به من أنفسنا،والمحب منه هو المحبوب بعينه، والمعجب منههو المعجب منه، والعاشق منه هو المعشوق.وذلك على خلاف ما يوجد فينا، فإن المعشوقمنا هو الفضيلة والجمال، وليس العاشق مناهو الجمال والفضيلة. لكن للعاشق قوة أخرى،فتلك ليست للمعشوق؛ فليس العاشق منا هوالمعشوق بعينه. فأما هو فإن العاشق منه هوبعينه المعشوق، والمحب هو المحبوب، فهوالمحبوب الأول والمعشوق الأول، أحبه غيرهأو لم يحبه، وعشقه غيره أو لم يعشقه. الباب السابع
القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه
والأول هو الذي عنه وجد. ومتى وجد للأولالوجود الذي هو له، لزم ضرورة أن يوجد عنهسائر الموجودات التي وجودها لا بإرادةالإنسان واختياره، على ما هي عليه منالوجود الذي بعضه مشاهد بالحس وبعضه معلومبالبرهان. ووجود ما يوجد عنه إنما هو علىجهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجودغيره فائض عن وجوده هو. فعلى هذه الجهة لايكون وجود ما يوجد عنه سببا له يوجه منالوجوه، ولا على أنه غاية لوجود الأول،كما يكون وجود الابن- من جهة ما هو ابن-غاية لوجود الأبوين، من جهة ما هما أبوان.يعني أن الوجود الذي يوجد عنه لا يفيدهكمالا ما، كما يكون لنا ذلك عن جل الأشياءالتي تكون منا، مثل أنا بإعطائنا الماللغيرنا نستفيد من غيرنا كرامة أو لذة أوغير ذلك من الخيرات، حتى تكون تلك فاعلةفيه كمالا ما. فالأول ليس وجوده لأجل غيره،ولا يوجد بغيره، حتى يكون الغرض من وجودهأن يوجد سائر الأشياء، فيكون لوجوده سببخارج عنه، فلا يكون أولا، ولا أيضابإعطائه ما سواه الوجود ينال كمالا لم يكنله قبل ذلك خارجا عما هو عليه من الكمال،كما ينال من يجود بماله أو شيء آخر،فيستفيد بما يبذل من ذلك لذة أو كرامة أورئاسة أو شيئا غير ذلك من الخيرات؛ فهذهالأشياء كلها محال أن تكون في الأول، لأنهيسقط أوليته وتقدمه، ويجعل غيره أقدم منهوسببا لوجوده، بل وجوده لأجل ذاته؛ ويلحقجوهره ووجوده ويتبعه أن يوجد عنه غيره.فلذلك وجوده الذي به فاض الوجود إلى غيرههو في جوهره، ووجوده الذي به تجوهره فيذاته، هو بعينه وجوده الذي به يحصل وجودهغيره عنه. وليس ينقسم إلى شيئين، يكونبأحدهما تجوهر ذاته وبالآخر حصول شيء آخرعنه، كما أن لنا شيئين نتجوهر بأحدهما،وهو النطق، ونكتب بالآخر، وهو صناعةالكتابة، بل هو ذات واحدة وجوهر واحد، بهيكون تجوهره وبه بعينه يحصل عنه شيء آخر.
ولا أيضا يحتاج في أن يفيض عن وجوده وجودشيء آخر إلى شيء غير ذاته يكون فيه، ولاعرض يكون فيه، ولا حركة يستفيد بها حالا لميكن له، ولا آلة خارجة عن ذاته، مثل ماتحتاج النار، في أن يكون عنها وعن الماءبخار، إلى حرارة يتبخر بها الماء، وكماتحتاج الشمس، في أن تسخن ما لدينا إلى أنتتحرك هي ليحصل لها بالحركة ما لم يكن لهامن الحال، فيحصل عنها وبالحال التياستفادها بالحركة حرارة فيما لدينا، أوكما يحتاج النجار إلى الفأس وإلى المنشارحتى يحصل عنه في الخشب انفصال وانقطاعوانشقاق. وليس وجوده، ولا وجوده الذيبجوهره أكمل من الذي يفيض عنه وجود غيره،بل هما جميعا ذات واحدة.ولا يمكن أيضا أن يكون له عائق من أن يفيضعنه وجود غيره، لا من نفسه ولا من خارجأصلا.الباب الثامن
القول في مراتب الموجودات
الموجودات كثيرة، وهي مع كثرتها متفاضلة.وجوهره جوهر يفيض منه كل وجود "كيف كان ذلكالوجود" كان كاملا أو ناقصا. وجوهره أيضاجوهر، إذا فاضت منه الموجودات كلها بترتيبمراتبها، حصل عنه لكل موجود قسطه الذي لهمن الوجود ومرتبته منه. فيبتدىء من أكملهاوجودا ثم يتلوه ما هو أنقص منه قليلا، ثملا يزال بعد ذلك يتلو الأنقص إلى أن ينتهيإلى الموجود الذي إن تخطى عنه إلى ما دونهتخطى إلى ما لم يمكن أن يوجد أصلا، فتنقطعالموجودات من الوجود. وبان جوهره جوهراتفيض منه الموجودات من غير أن يخص بوجوددون وجوده. فهو جواد، وجوده هو في جوهره،ويترتب عنه الموجودات، ويتحصل لكل موجودقسطه من الوجود بحسب رتبته عنه. فهو عدل،وعدالته في جوهره، وليس ذلك لشيء خارج عنجوهره.وجوهره أيضا جوهر، إذا حصلت الموجوداتمرتبة في مراتبها أن يأتلف ويرتبط وينتظمبعضها مع بعض، ائتلافا وارتباطا وانتظاماتصير بها الأشياء الكثيرة جملة واحدة،وتحصل كشيء واحد. والتي بها ترتبط هذهوتأتلف هي لبعض الأشياء في جواهرها حتى أنجواهرها التي بها وجودها هي التي بهاتأتلف وترتبط. ولبعض الأشياء تكون أحوالفيها تابعة لجوهرها، مثل المحبة التي بهايرتبط الناس، فإنها حال فيهم، وليست هيجواهرهم التي بها وجودهم. وهذه أيضا فيهامستفادة عن الأول، لأن في جوهر الأول أنيحصل عنه بكثير من الموجودات مع جواهرهاالأحوال التي بها يرتبط بعضها مع بعض،ويأتلف وينتظم. الباب التاسع
القول في الأسماء التي ينبغي أن يسمى بها
الأولى تعالى مجده
الأسماء التي ينبغي أن يسمى بها الأول، هيالأسماء التي تدل في الموجودات التيلدينا، ثم في أفضلها عندنا، على الكمالوعلى فضيلة الوجود، من غير أن يدل شيء منتلك الأسماء فيه هو على الكمال والفضيلةالتي جرت العادة أن تدل شيء من تلك الأسماءفي الموجودات التي لدينا وفي أفضلها، بلعلى الكمال الذي يخصه هو في جوهره. وأيضافإن أنواع الكمالات، التي جرت العادة أنيدل عليها بتلك الأسماء الكثيرة كثيرة،وليس ينبغي أن تظن بأن أنواع كمالاته التييدل عليها بأسمائه الكثيرة أنواع كثيرة،ينقسم الأول إليها ويتجوهر بجميعها، بلينبغي أن يدل بتلك الأسماء الكثيرة علىجوهر واحد ووجود واحد غير منقسم أصلا.والأسماء التي تدل على الكمال والفضيلةفي الأشياء التي لدينا، منها ما يدل على ماهو للشيء في ذاته، لا من حيث هو مضاف إلىشيء آخر خارج عنه، مثل الموجود الواحدوالحي؛ ومنها ما يدل على ما هو للشيءبالإضافة إلى شيء آخر خارج عنه، مثل العدلوالجواد.وهذه الأسماء، أما فيما لدينا فإنها تدلعلى فضيلة وكمال، تكون إضافته إلى شيء آخرخارج عنه جزءا من ذلك الكمال حتى تكون تلكالإضافة جزءا من جملة ما يدل عليه بتلكالأسماء، بأن يكون ذلك الاسم، أو بأن تكونتلك الفضيلة وذلك الكمال قوامه بالإضافةإلى شيء آخر. وأمثال هذه الأسماء متى نقلتوسمي بها الأول، قصدنا أن يدل بها علىالإضافة التي له إلى غيره بما فاض منه منالوجود، فينبغي أن لا نجعل الإضافة جزءامن كماله، ولا أيضا نجعل ذلك الكمالالمدلول عليه بذلك اسم، قوامه تلكالاضافة، بل ينبغي أن ندل به على جوهر أوكمال تتبعه ضرورة تلك الإضافة. وعلى أنقوام تلك الإضافة بذلك الجوهر، وعلى أنتلك الإضافة تابعة لما جوهره ذلك الجوهرالذي دل عليه بذلك الاسم.
الباب العاشر
القول في الموجودات الثواني وكيفية صدورالكثير
يفيض من الأول وجود الثاني؛ فهذا الثانيهو أيضا جوهر غير متجسم أصلا، ولا هو فيمادة. فهو يعقل ويعقل الأول، وليس ما يعقلمن ذاته هو شيء غير ذاته. فما يعقل من الأوليلزم عنه وجود ثالث، وبما هو متجوهر بذاتهالتي تخصه يلزم عنه وجود السماء الأولى.والثالث أيضا وجوده لا في مادة، وهوبجوهره عقل. وهو يعقل ذاته ويعقل الأول.فما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنهوجود كرة الكواكب الثابتة؛ وبما يعقله منالأول يلزم عنه وجود رابع.وهذا أيضا لا في مادة، فهو يعقل ذاتهويعقل الأول. فبما يتوجهر به من ذاته التيتخصه يلزم عنه وجود كرة زحل، وبما يعقله منالأول يلزم عنه وجود خامس.وهذا الخامس أيضا وجوده لا في مادة، فهويعقل ذاته ويعقل الأول. فما يتجوهر به منذاته يلزم عنه كرة المشتري، وبما يعقله منالأول يلزم عنه وجود سادس.وهذا أيضا وجوده لا في مادة، وهو يعقلذاته ويعقل الأول. فيما يتجوهر به من ذاتهيلزم عنه وجود كرة المريخ، وبما يعقله منالأول يلزم عنه وجود سابع.وهذا أيضا وجوده لا في مادة، وهو يعقلذاته ويعقل الأول. فبما يتجوهر به من ذاتهيلزم عنه وجود كرة الشمس، وبما يعقل منالأول يلزم عنه وجود ثامن.وهو أيضا وجوده لا في مادة، ويعقل ذاتهويعقل الأول. فبما يتجوهر به من ذاته التيتخصه يلزم عنه وجود كرة الزهرة، وبما يعقلمن الأول يلزم عنه وجود تاسع.وهذا أيضا وجوده لا في مادة، فهو يعقلذاته ويعقل الأول. فبما يتجوهر به من ذاتهيلزم عنه وجود كرة عطارد، وبما يعقل منالأول يلزم عنه وجود عاشر.وهذا أيضا وجوده لا في مادة، وهو يعقلذاته ويعقل الأول.فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرةالقمر، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجودحادي عشر.وهذا الحادي عشر هو أيضا وجوده لا فيمادة؛ وهو يعقل ذاته ويعقل الأول. ولكنعنده ينتهي الوجود الذي لا يحتاج ما يوجدذلك الوجود إلى مادة وموضوع أصلا. وهيالأشياء المفارقة التي هي في جواهرها عقولومعقولات. وعند كرة القمر ينتهي وجودالأجسام السماوية، وهي التي بطبيعتهاتتحرك دورا. الباب الحادي عشر
القول في الموجودات والأجسام التي لدينا
وهذه الموجودات التي أحصيناها، هي التيحصلت لها في كمالاتها الأفضل في جواهرهامنذ أول الأمر. وعند هذين "فلك القمروالعقل الحادي عشر" ينقطع وجود هذه. والتيبعدهما هي ليس التي في طبيعتها أن توجد فيالكمالات الأفضل في جواهرها منذ أولالأمر، بل إنما شأنها أن يكون لها أولا نقصوجوداتها، فيبتدىء منه، فيترقى شيئافشيئا إلى أن يبلغ كل نوع منها أقصى كمالهفي جوهره؛ ثم هي في سائر أعراضه. وهذهالحال هي في طباع هذا الجنس من غير أن يكونذلك دخيلا عليه من شيء آخر غريب عنه.وهذه منها طبيعية، ومنها ارادية، ومنهامركبة من الطبيعية والإرادية والطبيعيةمن هذه توطئة للارادية، ويتقدم بالزمانوجودها قبل الإرادية. ولا يمكن وجودالإرادية منها دون أن توجد الطبيعية منهاقبل ذلك. والأجسام الطبيعية من هذه هيالأسطقسات، مثل النار والهواء والماءوالأرض، وما جانسها من البخار واللهيبوغير ذلك؛ والمعدنية مثل الحجارةوأجناسها، والنبات والحيوان غير الناطقوالحيوان الناطق.
الباب الثاني عشر
القول في المادة والصور
وكل واحد من هذه قوامه من شيئين: أحدهمامنزلته منزلة خشب السرير، والآخر منزلتهمنزلة خلقة السرير. فما منزلته منزلةالخشب هو المادة والهيولي، وما منزلتهخلقته فهو الصورة والهيئة. وما جانس هذينمن الأشياء، فالمادة موضوعة ليكون بهاقوام الصورة، والصورة لا يمكن ان يكون لهاقوام ووجود بغير المادة. فالمادة وجودهالأجل الصورة، ولو لم تكن صورة ما موجودة ماكانت المادة. والصورة وجودها لا لتوجد بهاالمادة، بل ليحصل الجوهر المتجسم جوهرابالفعل. فإن كل نوع إنما يحصل موجودابالفعل وبأكمل وجودية إذا حصلت صورته. ومادامت مادته موجودة دون صورته فإنه إنما هوذلك النوع بالقوة. فإن خشب السرير ما دامبلا صورة السرير، فهو سرير بالقوة، وإنمايصير سريرا بالفعل إذا حصلت صورته فيمادته. وأنقص وجودي الشيء هو بمادته،وأكمل وجودية هو بالصورة.وصور هذه الأجسام متضادة، وكل واحد منهايمكن أن يوجد وأن لا يوجد؛ ومادة كل واحدمنها قابلة لصورته ولضدها، وممكنة أن توجدفيها صورة الشيء وأن لا توجد، بل يمكن أنتكون موجودة في غير تلك الصورة.والأسطقسات أربع، وصورها متضادة. ومادةكل واحدة منها قابلة لصورة ذلك الأسطقسولضدهاز ومادة كل واحدة منها مشتركةللجميع، وهي مادة لها ولسائر الأجسامالأخر التي تحت الأجسام السماوية، لأنسائر ما تحت السماوية كائنة عن الأسطقسات،ومواد الأسطقسات ليست لها مواد؛ فهيالمواد الأولى المشتركة لكل ما تحتالسماوية. وليس شيء من هذه يعطى صورته منأول الأمر، بل كل واحد من الأجسام فإنمايعطى أولا مادته التي بها وجوده بالقوةالبعيدة فقط، لا بالفعل، إذ كانت إنماأعطيت مادته الأولى فقط، ولذلك هي أبداساعية إلى ما يتجوهر به من الصورة؛ ثم لايزال يترقى شيئا بعد شيء إلى أن تحصل لهصورته التي بها وجوده بالفعل. الباب الثالث عشر
القول في المقاسمة بين المراتب والأجسام
الهيولانية والموجودات الإلهية
وترتيب هذه الموجودات هو أن تقدم أولاأخسها، ثم الأفضل فالأفضل، إلى أن تنتهيإلى أفضلها الذي لا أفضل منه. فأخسهاالمادة الأولى المشتركة؛ والأفضل منهاالأسطقسات ثم المعدنية، ثم النبات، ثمالحيوان غير الناطق، ثم الحيوان الناطق،وليس بعد الحيوان الناطق أفضل منه.وأما الموجودات التي سلف ذكرها، فإنهاتترتب أولا أفضلها ثم الأنقص، فالأنقص إلىأن تنتهي إلى أنقصها. وأفضلها وكملهاالأول. فأما الأشياء الكائنة عن الأول،فأفضلها بالجملة هي التي ليست بأجسام ولاهي من أجسام، ومن بعدها السماوية. وأفضلالمفارقة من هذه هو الثاني، ثم سائرها علىالترتيب إلى أن ينتهي إلى الحادي عشر.وأفضل السماوية هي السماء الأولى، ثمالثانية، ثم سائرها على الترتيب، إلى أنينتهي إلى التاسع وهو كرة القمر. والأشياءالمفارقة التي بعد الأول هي عشرة والأجسامالسماوية في الجملة تسعة فجميعها تسعةعشرة.وكل واحد من العشرة متفرد بوجودهومرتبته، ولا يمكن أن يكون وجوده لشيء آخرغيره، لأن وجوده إن شاركه فيه آخر، فذلكالآخر إن كان غير هذا، فباضطرار أن يكون لهشيء ما باين به هذا، فيكون ذلك الشيء، الذيبه باين هذا، وهو وجوده الذي يخصه ذلكالشيء ليس هو الذي هو به هذا موجود. فإذنليس وجودها وجودا واحدا، بل لكل واحدمنهما شيء يخصه. ولا أيضا يمكن أن يكون لهضد، لأن ما كان له ضد فله مادة مشتركة بينهوبين ضده، وليس يمكن أن يكون لواحد من هذهمادة، وأيضا الذي تحت نوع ما، إنما تكثرأشخاصه لكثرة موضوعات صورة ذلك النوع. فماليست له مادة فليس يمكن أن يكون في نوعهشيء آخر غيره.وأيضا، فإن الأضداد إنما تحدث إما منأشياء جواهرها متضادة، أو من شيء واحدتكون أحواله ونسبه في موضعه متضادة، مثلالبرد والحر، فإنهما يكونان من الشمس؛ولكن الشمس تكون على حالين مختلفين منالقرب والبعد، فتحدث بحاليها أحوالاونسبا متضادة. فالأول لا يمكن أن يكون لهضد، ولا أحواله متضادة من الثاني، ولانسبته من الثاني نسبة متضادة. والثاني لايمكن فيه تضاد، وكذلك لا في الثالث، إلى أنينتهي إلى العاشر.
وكل واحد من العشرة يعقل ذاته ويعقلالأول، وليس في واحد منها كفاية في أن يكونفاضل الوجود بأن يعقل ذاته، بل إنما يقتبسالفضيلة الكاملة بأن يعقل مع ذاته ذاتالسبب الأول، وبحسب زيادة فضيلة الأول علىفضيلة ذاته يكون بما عقل الأول فضلاغتباطه بنفسه أكثر من اغتباطه بها عندعقل ذاته. وكذلك زيادة التذاذة بذاته بماعقل الأول على التذاذه بما عقل من ذاته،بحسب زيادة كمال الأول على كمال ذاته،وإعجابه بذاته وعشقه لها بما عقل من الأولعلى إعجابه بذاته وعشقه لها بما عقل منذاته بحسب زيادة كمال الأول على كمالذاته، وإعجابه بذاته وعشقه لها بما عقل منالأول على إعجابه بذاته وعشقه لها بما عقلمن ذاته بحسب زيادة بهاء الأول وجماله علىبهاء ذاته وجمالها؛ فيكون المحبوب أولاوالمعجب أولا عند نفسه بما هو يعقله منالأول، وثانيا بما هو يعقله من ذاته.فالأول أيضا بحسب الإضافة إلى هذه العشرةهو المحبوب الأول والمعشوق الأول. الباب الرابع عشر
القول فيما تشترك الأجسام السماوية
والأجسام السماوية تسع جمل في تسع مراتب؛كل جملة يشتمل عليها جسم واحد كريّ. فالأولمنها يحتوي على جسم واحد فقط، فيتحرك حركةواحدة دورية سريعة جدا. والثاني جسم واحديحتوي على أجسام حركتها مشتركة؛ ولها منالحركة اثنتان فقط، يشترك جميعها فيالحركتين جميعا. والثالث، وما بعده إلىتمام السبعة، يشتمل كل واحد منها ويشتركفي حركات أخر. وجنس هذه الأجسام كلها واحدويختلف في الأنواع، ولا يمكن أن يوجد في كلنوع منها إلا واحد بالعدد، لا يشاركه شيءآخر في ذلك النوع. فإن الشمس لا يشاركها فيوجودها شيء آخر من نوعها، وهي متفردةبوجودها. وكذلك القمر وسائر الكواكب.وهذه تجانس الموجودات الهيولانية، وذلكأن لها موضوعات تشبه المواد الموضوعة لحملالصور "وأشياء هي لها كالصور، بها تتجوهر"وقوام تلك الأشياء في تلك الموضوعات. إلاأن صورها لا يمكن أن يكون لها أضداد.وموضوع كل واحد منها لا يمكن أن يكون قابلالغير تلك الصورة، ولا يمكن أن يكون خلوامنها. ولأن موضوعات صورها لا عدم فيها،بوجه من الوجوه، ولا لصورها أعدامتقابلها، فصارت موضوعاتها لا تعوق صورهاأن تعقل وأن تكون عقولا بذواتها.فإذن كل واحد من هذه بصورته عقل بالفعل،وهو يعقل بها ذات المفارق الذي عنه وجودذلك الجسم، ويعقل الأول. وليس جميع ما يعقلمن ذاته عقلا، لأنه يعقل موضوعه؛ وموضوعهليس بعقل؛ فهو يعقل كل ما به تجوهرهوتصويره، يعني أن تجوهره بصورة وموضوع؛وبهذا يفارق الأول والعشرة المتخلصة منالهيولي ومن كل موضوع. ويشاركه الإنسان فيالمادة.فهو أيضا مغتبط بذاته ليس بما يعقل منذاته فقط، ولكن بما يعقل من الأول، ثم بمايعقل من ذات المفارق الذي عنه وجوده.ويشارك المفارق في عشقه للأول وبإعجابهبنفسه بما استفاد من بهاء الأول وجماله؛إلا أنه في كل ذلك دون العشرة بكثير. وله منكل ما تشاركه فيه الهيولانية أشرفهاوأفضلها، وذلك أن له من الأشكال أفضلهاوهي الكرية، ومن الكيفيات المرئياتأفضلها وهو الضياء، فإن بعض أجزائها فاعلةللضياء، وهي الكواكب، وبعض أجزائها مشفةبالفعل، لأنها مملوءة نورا من أنفسها ومماتستفيده من الكواكب. ولها من الحركاتأفضلها، وهي الحركة الدورية.وتشارك العشرة في أنها أعطيت أفضل ماتتجوهر بها من أول أمرها وكذلك إعظامهاوأشكالها والكيفيات المرئية التي تخصها.
الباب الخامس عشر
القول فيما فيه وغليه تتحرك الأجسامالسماوية
ولأي شيء تتحرك
وتفارقها في أنها لم يمكن فيها أن تعطى منأول أمرها الشيء الذي إليه تتحرك. وما إليهتتحرك هو من أيسر عرض يكون في الجسم وأخسه،وذلك أن كل جسم فهو في أين ما. ونوع الأينالذي هو لهذا الجسم هو أن يكون حول جسم ما.وما نوع أينه هذا النوع، فليس يمكن أنتنتقل جملته عن جملة هذا النوع. ولكن لهذاالنوع أجزاء، وللجسم الذي فيه أجزاء. وليسجزء من أجزاء هذا الجسم أولى بجزء من أجزاءالحول- بل كل جزء من الجسم يلزم أن يكون لهكل جزء من أجزاء الحول- ولا أيضا أن يكونأولى به في وقت دون وقت، بل في كل وقتدائما. وكلما حصل جزء من هذا الجسم في جزءما من الحول احتاج إلى أن يكون له الجزءالذي قدامه قدامه. ولا يمكن أن يجتمع لهالجزءان معا في وقت واحد؛ فيحتاج إلى أنيتخلى من الذي هو فيه، ويصير إلى ما هوقدامه إلى أن يستوفي كل جزء من أجزاءالحول. ولأن الجزء الذي كان فيه ليس هو فيوقت أولى به من وقت، فيجب أن يكون له ذلكدائما. وإذا لم يمكن أن يكون ذلك الجزء بلهدائما على أن يكون واحدا بالعدد، وصارواحدا بالنوع، بأن يوجدل له حينا ولا يوجدله حينا. ثم يعود إلى شبيهه في النوع، ثميتخلى عنه أيضا مدة، ثم يعود إلى شبيه لهثالث، ويتخلى عنه أيضا مدة، ثم يعود إلىشبيه له رابع؛ وهكذا له أبدا.فظاهر أن "الأجزاء" التي عنها يتحرك،ويتبدل عليها، ويعود إليها، هي في نسبتهاإلى الجسم الذي يوجد السماء حوله. ومعنىالنسبة أنه يقال هذا لهذا، وهذا من هذا،وما شاكل ذلك من قبل أن معنى الأين هو نسبةالجسم إلى سطح الجسم الذي ينطبق عليه. وكلجسم سمائي في كرة، أي دائرة مجسمة. فإن نسبأجزائه إلى أجزاء سطح ما تحتها من الأجسامتتبدل دائما، ويعود كل واحد منها فيالمستقبل من الزمان إلى أشباه النسب التيسلفت.ونسبة الشيء إلى الشيء هي أخس "عرض" مايوجد له وأبعد الأعراض عن جوهر الشيء. ولكلواحد من الأكر والدوائر المجسمة التي فيهاحركة على حيالها، فأما أسرع أو أبطأ منحركة الأخرى، مثل كرة زحل وكرة القمر، فإنكرة القمر أسرع حركة من كرة زحل. الباب السادس عشر
القول في الأحوال التي توجد بها الحركاتالدورية
وفي الطبيعة المشتركة لها
وليس هذا التفاضل الذي في حركاتها بحسباضافتها إلى غيرها، بل لها في أنفسهاوبالذات. والبطيء من هذه بطيء دائما،والسريع سريع دائما. وأيضا فإن كثيرا منالسماوية أوضاعها من الوسط ومما تحتهامختلفة، ولأجل اختلاف أوضاعها هذه منها،تلحق كل واحد من هذه خاصة بالعرض، أن يسرعحول الأرض أحيانا، ويبطىء أحيانا؛ وهذاسوى سرعة بعضها دائما وإبطاء الآخر دائما،على قياسء حركة زحل إلى حركة القمر. وأنهاتلحقها بإضافة بعضها إلى بعض، بأن تجتمعأحيانا وتفترق أحيانا، ويكون بعضها من بعضعلىنسب متضادة. وأيضا فإنها تقرب أحيانامن بعض ما تحتها، وتبعد أحيانا عنه، وتظهربأحيانا وتستر أحيانا. فتلحقها هذهالمتضادات لا في جواهرها، ولا في الأعراضالتي تقرب من جواهرها، بل في نسبها، وذلكمثل الطلوع والغروب، فإنهما نسبتان لهاإلى ما تحتها، متضادتان. والجسمب السماويأول الموجودات التي تلحقها أشياء متضادة.وأول الأشياء التي يكون فيها تضاد هي نسبهذا الجسمس إلى ما تحته، ونب بعضها إلىبعض. وهذه المتضادات هي أخس المتضادات؛والتضاد نقص في الوجود. فالجسمب السمائييلحقه النقص في أخس الأشياء التي شأنها أنتوجد.
وللأجسام السماوية كلها أيضا طبيعةمشتركة، وهي التي صارت تتحرك كلها بحركةالجسم الأول؛ منها حركة دورية في اليوموالليلة؛ وذلك أن هذه الحركة ليست لما تحتالسماء الأولى قسرا، إذ كان لا يمكن أنيكون في السماء شيء يجري قسرا. وبينها أيضاتباين في جواهرها من غير تضاد، مثل مباينةزحل للمشتري، وكل كوكب لكل كوكب، وكل كرةلكل كرة. ثم يلحقها، كما قلنا، تضاد فينسبها، وان تتبدل تلك النسب ومتضاداتهاوتتعاقب عليها، فتتخلى من نسبة ما وتصيرإلى ضدها، ثم تعود إلى ما كانت تخلت منهبالنوع لا بالعدد، فيكون لها نسب تتكرر،ويعود بعضها في مدة أطول وبعضها في مدةأقصر؛ وأحوال ونسب تتكرر أصلا. ويلحقها أنيكون لجماعة منها نسب إلى شيء واحدمتضادة، مثل أن يكون بعضها قريبا من شيء،وبعضها بعيدا من ذلك الشيء بعينه. الباب السابع عشر
القول في الأسباب التي عنها تحدث
الصورة الأولى والمادة الأولى
فيلزم عن الطبيعة المشتركة التي لها،وجود المادة الأولى المشتركة لكل ماتحتها؛ وعن اختلاف جواهرها، وجود أجسامكثيرة مختلفة الجواهر؛ وعن تضاد نسبهاوإضافتها، وجود الصور المتضادة؛ وعن تبدلمتضادات النسب عليها وتعاقبها، تبدلالصور المتضادة على المادة الأولىوتعاقبها؛ وعن حصول نسب متضادة وإضافاتمتعاندة إلى ذات واحدة في وقت واحد منجماعة أجسام فيها اختلاط في الأشياء ذاتالصور المتضادة وامتزاجاتها؛ وأن يحدث عنأصناف تلك الإمتزاجات المختلفة، أنواعكثيرة من الأجسام؛ ويحدث عن إضافاتها التيتتكرر وتعود، الأشياء التي يتكرر وجودهاويعود بعضها في مدة أقصر وبعضها في مدةأطول؛ وعن ما لا يتكررب من إضافاتهاوأحوالها، بل إنما تحدث في وقت ما من غيرأن تكون قد كانت فيما سلف، ومن غير أن تحدثفيما بعد الأشياء التي تحدث ولا تتكررأصلا. الباب الثامن عشر
القول في مراتب الأجسام الهيولانية فيالحدوث
فيحدث أولا الإسطقسات، ثم ما جانسهاوقارنها من الأجسام، مثل البخاراتوأصنافها، مثل الغيوم والرياح وسائر مايحدث في الجو، وأيضا مجانساتها حول الأرضوتحتها، وفي الماء والنار. ويحدث فيالإسطقسات، وفي كل واحد من سائر تلك، قوىتتحرك بها من تلقاء أنفسها إلى أشياءشأنها أن توجد لها أو بها، بغير محرك منخارج وقوى يفعل بعضها في بعض، وقوى يقبلبها بعضها فعل بعض؛ ثم تفعل فيها الأجسامالسماوية، ويفعل بعضها في بعضن فيحدث منإجتماع الأفعال، من هذه الجهات، أصناف منالاختلاطات والإمتزاجات كثيرة. والمقاديركثيرة، مختلفة بغير تضاد، ومختلفةبالتضاد.فيلزم عنها وجود سائر الأجسام. فتختلطأولا الإسطقسات بعضها مع بعض، فيحدث منذلك أجسام كثيرة متضادة، ثم تختلط هذهالمتضادة بعضها مع بعض فقط، وبعضها مع بعضومع الإسطقسات، فيكون ذلك اختلاطا ثانيابعد الأول؛ فيحدث من ذلك أيضا أجسام كثيرةمتضادة الصور. ويحدث في كل واحد من هذهأيضا قوى يفعل بها بعضها في بعض، وقوى تقبلبها فعل غيره "من الأجسام" فيها، وقوىتتحرك بها من تلقاء نفسها بغير محركن منخارج. ثم تفعل فيها أيضا الأجسامالسماوية، ويفعل بعضها في بعض، وتفعل فيهاالاسطقسات، وتفعل هي في الاسطقسات أيضا؛فيحدث من اجتماع هذه الأفعال بجهات مختلفةاختلاطات أخر كثيرة تبعد بها عن الإسطقساتوالمادة الأولى بعدا كثيرا. ولا تزالتختلط اختلاطا بعد اختلا قبله، فيكونالإختلاط الثاني أبدا أكثر تركيبا مماقبله؛ إلى أن تحدث أجسام لا يمكن أن تختلط؛فيحدث من اختلاطها جسم آخر أبعد منها عنالاسطقسات. فيقف الاختلاط.فبعض الأجسام يحدث عن الإختلاط الأول،وبعضها عن الثاني، وبعضها عن الثالث،وبعضها عن الاختلاط الآخر. والمعدنياتتحدث باختلاط أقرب إلى الاسطقسات وأقلتركيبا ويكون بعدها عن الاسطقسات برتبأقل. ويحدث النبات باختلاط أكثر منهاتركيبا وأبعد عن الاسطقسات برتب أكثر.والحيوان غير الناطق يحدث باختلاط أكثرتركيبا من النبات. والإنسان وحده هو الذييحدث عن الاختلاط الأخير.
ويحدث في كل واحد من هذه الأنواع قوىيتحرك بها من تلقاء نفسه، وقوى يفعل بها فيغيره وقوى يقبل بها فعل غيره فيه. والفاعلمنها في غيره فموضوعات فعله ثلاثةبالجملة: منها ما يفعل فيه على الأكثر،ومنها ما يفعل فيه على الأقل، ومنها مايفعل فيه على التساوي. وكذلك القابل لفعلغيره، قد يكون موضوعا لثلاثة أصناف منالفاعلات: لما هو فاعل فيه على الأكثر،ولما هو فاعل فيه على الأقل، ولما هو فاعلفيه على التساوي. وفعل كل واحد في كل واحدإما بأن يرفده، وإما بأن يضاده.ثم الأجسام السماوية تفعل في كل واحد منهامع فعل بعضه في بعض، بأن ترفد بعضها وتضادبعضها. وما ترفده فإنه ترفده حينا وتضادهحينا، وما تضاده فإنه تضاده حينا وترفدهأيضا حينا آخر، فتقترن أصناف الأفعالالسماوية فيها إلى أفعال بعضها في بعض؛فيحدث من اقترانها امتزاجات واختلاطاتأخر كثيرة جدا، يحدث في كل نوع أشخاص كثيرةمختلفة جدا. فهذه هي أسباب وجود الأشياءالطبيعية التي تحت السماوية. الباب التاسع عشر
القول في تعاقب الصور على الهيولي
وعلى هذه الجهات يكون وجودها أولا، فإذاوجدت فسبيلها أن تبقى وتدوم. ولكن لما كانما هذه حاله من الموجودات قوامه من مادةوصورة، وكانت الصور متضادة، وكل مادة فإنشأنها أن توجد لها هذه الصورة وضدها، صارلكل واحد من هذه الأجسام حق واستئهالبصورته، وحق واستئهال بمادته.فالذي له بحق صورته أن يبقى على الوجودالذي له، والذي يحق له بحق مادته أن يوجدوجودا آخر مضادا للوجود الذي هو له، وإذكان لا يمكن أن يوفى هذين معا في وقت واحد،لزم ضرورة أن يوفى هذا مرة، فيوجد ويبقىمدة ما محفوظ الوجود، ثم يتلف ويوجد ضده،ثم يبقى ذلك، وكذلك أبدا. فإنه ليس وجودأحدهما أولى من وجود الآخر، ولا بقاءأحدهما أولى من بقاء الآخر، إذ كان لكلواحد منهما قسم من الوجود والبقاء.وأيضا فإن المادة الواحدة لما كانتمشتركة بين ضدين، وكان قوام كل واحد منالضدين بها، ولم تكن تلك المادة أولى بأحدالضدين دون الآخر، ولم يمكن أن تجعللكليهما في وقت واحد، لزم ضرورة أن تعطىتلك المادة أحيانا هذا الضد، وأحيانا ذلكالضد، ويعاقب بينهما، فيصير كل منهما كأنله حقا عند الآخرن ويكون عنده شيء مالغيره، وعند غيره شيء هو له؛ فعند كل واحدمنهما حق ما ينبغي أن يصير إلى كل واحد منكل واحد؛ فالعدل في هذا أن توجد مادة هذا،فتعطى ذلك، أو توجد مادة ذلك، فتعطى هذا؛ويعاقب ذلك بينهما. فلأجل الحاجة إلىتوفية العدل في هذه الموجودات، لم يكن أنيبقى الشيء الواحد دائما على أنه واحدبالعدد؛ فجعل بقاؤه الدهر كله على أنهواحد بالنوع. ويحتاج في أن يبقى واحدابالنوع إلى أن يوجد أشخاص ذلك النوع مدةما، ثم تتلف ويقوم مقامها أشخاص أخر من ذلكالنوع، وذلك على هذا المثال دائما.وهذه منها ما هي اسطقسات، ومنها ما هيكائنة عن اختلاطها. والتي هي عن اختلاطها،منها ما هي عن اختلاط أكثر تركيبا، ومنهاما هي عن اختلاط أقل تركيبا. وأماالاسطقسات فإن المضاد المتلف لكل واحدمنها هو من خارج فقط، إذ كان لا ضد له فيجملة جسمه. وأما الكائن عن اختلاط أقلتركيبا، فإن المضادات التي فيه يسيرة،وقواها منكسرة ضعيفة؛ فلذلك صار المضادالمتلف له في ذاته ضعيف القوة، لا يتلفهإلا بمعين من خارج. فصار المضاد المتلف لهأيضا من خارج. وما هو كائن فقط؛ والتي هي عناختلاط أكثر تركيبا، فبكثرة المتضاداتالتي فيها وتراكيبها، يكون تضادها فيها فيالأشياء المختلفة أظهر، وقوى المتضاداتالتي فيها قوية، ويفعل بعضها مع بعض معا.أيضا فإنها لما كانت من أجزاء غيرمتشابهة، لم يمنع أن يكون فيها تضاد،فيكون المضاد المتلف له من خارج جسمه ومنداخله معا.وما كان من الأجسام يتلفه المضاد له منخارج، فإنه لا يتحلل من تلقاء نفسه دائما،مثل الحجارة والرمل، فإن هذين وما جانسهماإنما يتحللان من الأشياء الخارجة فقط.وأما الآخر من النبات والحيوان، فإنهمايتحللان أيضا من أشياء مضادة لهما من داخل.
فلذلك إن كان شيء من هذه مزمنا، تبقىصورته مدة ما، بأن يخلف بدل ما يتحلل منجمسه دائما وإنما يكون ذلك الشيء يقوممقام ما يتحلل، ولا يمكن أن يخلف شيء بدلما يتحلل من جسمه ويتصل بذلك الجسم، إلافيخلع عن ذلك الجسم صورته التي كانت له،ويكتسي صورة هذا الجسم بعينه، وذلك هو أنيتغذى، حيث جعلت في هذه الأجسام قوة غاذيةوكل ما كان معينا لهذه القوة، حتى صار كلجسم من هذه الأجسام يجتذب إلى نفسه شيئا مامضادا له، فينسلخ عنه تلك الضدية، ويقبلهبذاته، ويكسوه الصورة التي هو ملتحف بها،إلى أن تخور هذه القوة في طول المدة،فيتحلل من ذلك الجسم ما لم يمكن القوةالخائرة أن ترد مثله، فيتلف ذلك الجسمفيه؛ فبهذا الوجه حفظ من محلله الداخل.وأما من متلفه الخارج، فإنه حفظ بالآلاتالتي جعلت له، بعضها فيه وبعضها من خارججسمه.فيحتاج، في دوام ما يدوم واحدا بالنوع،إلى أن يقوم مقام ما تلف منه أشخاص أخرتقوم مقام ما تلف منها. ويكون ذلك: إما أنيكون مع الأشخاص الأول أشخاص أحدث وجودامنها، حتى إذا تلف تلك الأول قامت هذهمقامها، حتى لا يخلو في كل وقت من الأوقاتوجود شخص ما من ذلك النوع، إما في ذلكالمكان أو في مكان آخر، وإما أن يكون الذييخلف الأول يحدث بعد زمان ما من تلف الأولحتى يخلو زمان ما من غير أن يوجد فيه شيء منأشخاص ذلك النوع. فجعل في بعضها قوى يكونبها شبيهه في النوع، ولم تجعل في بعض. ومالم يجعل فيها فإن أشباه ما يتلف منه تكونهالأجسام السماوية وحدها، إذ هي مرافدةلاسطقسات له على ذلك؛ وما جعل فيه قوة يكونبها شبيهه في النوع فعلى تلك القوة التيله- ويقترن إلى ذلك فعل الأجسام السماويةوسائر الأجسام الأخر- إما بأن تفيد، وإمابأن تضاد مضادة لا تبطل فعل القوة بل تحدثامتزاجا، إما أن يعتدل به الفعل الكائنبتلك القوة، وإما أن يزيله عن الإعتدالقليلا أو كثيرا بمقدار ما لا يبطل فعله؛فيحدث عند ذلك ما يقوم مقام التالف من ذلكالنوع. وكل هذه الأشياء إما على الأكثروإما على الأقل وإما على التساوي. فبهذاالوجه يدوم بقاء هذا الجنس من الموجودات.وكل واحد من هذه الأجسام له حق واستئصالبصورته، وحق واستئصال بمادته. فالذي لهبحق صورته، أن يبقى على الوجود الذي له ولايزول؛ والذي له بحق مادته، هو أن يوجدوجودا آخر مقابلا مضادا للوجود الذي هو له.والعدل أن يوفى كل واحد منهما استئصاله.وإذ لا يمكن توفيته إياه في وقت واحد لزمضرورة أن يوفى هذا مرة وذلك مرة، فيوجدويبقى مدة ما محفوظ الوجود ويتلف ويجدضده، وذلك أبداً.والذي يحفظ وجوده إما قوة في الجسم الذيفيه صورته، وإما قوة في جسم آخر هي آلةمقارنة له تخدمه في حفظ وجوده، وإما أنيكون المتولي بحفظه جسم ما آخر يرأسالمحفوظ، وهو الجسم السمائي أو جسم ماغيره، وإما أن يكون باجتماع هذه كلها.وأيضا فإن هذه الموجودات لما كانتمتضادة، كانت مادة كل ضدين منها مشتركة.فالمادة التي لهذا الجسم هي أيضا بعينهامادة لذلك، والتي لذلك هي أيضا بعينهالهذا؛ فعند كل واحد منهما شيء هو لغيره،وعند غيره شيء هو له. فيكون كأن لكل واحدعند كل واحد من هذه الجهة حقا ما ينبغي أنيصير إلى كل واحد من كل واحد. والمادة التيتكون للشيء عند غيره إما مادة سبيلها أنتكتسي صورة ذلك بعينها، مثل الجسم الذييغتذي بجسم آخر، وإما مادة سبيلها أنتكتسي صورة عنه لا صورته بعينها، مثل ناسيخلفون ناسا مضوا. والعدل في ذلك أن يجد ماعند هذا من مادة ذلك، فيعطى ذلك، وما عندذلك من مادة هذا، فيعطى ذلك هذا.
والذي به يستوفي الشيء مادته من ضدهوينتزع به تلك منه، إما أن يكون قوة فيهمقترنة بصورته في جسم واحد، فيكون ذلكالجسم آلة له في هذا غير مفارقة؛ وإما أنيكون في جسم آخر، فيكون ذلك آلة له مفارقةتخدمه في أن ينتزع مادة من ضده فقط، وتكونقوة أخرى في ذلك الجسم أو في آخر تكسوه،إما صورته بعينها وإما صورة نوعه، وإما أنتكون قوة واحدة تفعل الأمرين جميعا؛ وإماأن تكون التي تستوفي له حقه جسما آخريراسه، إما سمائية أو غيرها، وإما أن يكونذلك باجتماع هذه كلها. والجسم إنما يكونمادة للجسم الآخر، إما بأن يوفيه صورتهعلى التمام، وإما بأن يكسوه "جزءاً" منصورته وينقص من عزته. والذي يكون له آلةتخدم جسما آخر فإنما يكون آلة بأحد هذينأيضا: وذلك إما بصورته على التمام، وإمابأن يكسوه قليلا من عزة صورته مقدار ما لايخرجه ذلك من ماهيته، مثل من يكسر من رعاعالعبيد ويقمعهم حتى يذلوا فيخدموا. الباب العشرون
القول في أجزاء النفس الإنسانية وقواها
فإذا حدث الإنسان، فأول ما يحدث فيه القوةالتي بها يتغذى، وهي القوة الغاذية؛ ثم منبعد ذلك القوة التي بها يحس الملموس، مثلالحرارة والبرودة، وسائرها التي بها يحسالملموس مثل الحرارة والبرودة، وسائرهاالتي بها يحس الطعوم، والتي بها الروائح،والتي بها يحس الأصوات، والتي بها يحسالألوان والمبصرات كلها مثل الشعاعات.ويحدث مع الحواس بها نزوع إلى ما يحسه،فيشتاقه أو يكرهه. ثم يحدث فيه بعد ذلك قوةأخرى يحفظ بها ما ارتسم في نفسه منالمحسوسات بعد غيبتها عن مشاهدة الحواسلها، وهذه هي القوة المتخيلة. فهذه تركبالمحسوسات بعضها إلى بعض، وتفصل بعضها عنبعض، تركيبات وتفصيلات مختلفة، بعضهاكاذبة وبعضها صادقة؛ ويقترن بها نزوع نحوما يتخيله. ثم من بعد ذلك يحدث فيه القوةالناطقة التي بها يمكن أن يعقل المعقولات،وبها يميز بين الجميل والقبيح، وبها يحوزالصناعات والعلوم، ويقترن بها أيضا نزوعنحو ما يعقله.فالقوة الغاذية، منها قوة واحدة رئيسة،ومنها قوى هي رواضع لها وخدم. فالقوةالغاذية الرئيسة هي من سائر أعضاء البدنفي الفم؛ والرواضع والخدم متفرقة في سائرالأعضاء؛ وكل قوة من الرواضع والخدم فهيفي عضو ما من سائر أعضاء البدن؛ والرئيسةمنها هي بالطبع مدبرة لسائر القوى، وسائرالقوى يتشبه بها ويحتذي بأفعالها حذو ماهو بالطبع غرض رئيسها الذي في القلب، وذلكمثل المعدة والكبد والطحال، والأعضاءالخادمة هذه، والأعضاء التي تخدم هذهالخادمة، والتي تخدم هذه أيضا. فإن الكبدعضو يرؤس ويرأس، فإنه يرأس بالقلب ويرؤسالمرارة والكلية وأشباههما من الأعضاء؛والمثانة تخدم الكلية، والكلية تخدمالكبد، والكبد يخدم القلب؛ وعلى هذا توجدسائر الأعضاء.والقوة الحاسة، فيها رئيس وفيها رواضع؛ورواضعها هي هذه الحواس الخمس المشهورةعند الجميع، المتفرقة في العينين وفيالأذنين وفي سائرها. وكل واحد من هذه الخمسيدرك حسا ما يخصه. والرئيسة منها هي التياجتمع فيها جميع ما تدركه الخمس بأسرها،وكأن هذه الخمس هي منذرات تلك، وكأن هؤلاءأصحاب أخبار، كل واحد منهم موكل بجنس منالأخبار، وبأخبار ناحية من نواحي المملكة.والرئيسة كأنها هي الملك الذي عنده تجتمعأخبار نواحي مملكته من أصحاب أخباره.والرئيسة من هذه أيضا هي في القلب.والقوة المتخيلة ليس لها رواضع متفرقة فيأعضاء أخر، بل هي واحدة، وهي أيضا فيالقلب، وهي تحفظ المحسوسات بعد غيبتها عنالحس. وهي بالطبع حاكمة على المحسوساتومتحكمة عليها، وذلك أنها تفرد بعضها عنبعض، وتركب بعضها إلى بعض، تركيباتمختلفة، يتفق في بعضها أن تكون موافقة لماحس، وفي بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس.وأما القوة الناطقة، فلا رواضع ولا خدملها من نوعها في سائر الأعضاء، بل إنمارئاستها على سائر القوى المتخيلة؛والرئيسة من كل جنس فيه رئيس ومرؤوس. فهيرئيسة القوة المتخيلة، ورئيسة القوةالحاسة الرئيسة منها، ورئيسة القوةالغاذية الرئيسة منها.
والقوة النزوعية، وهي التي تشتاق إلىالشيء وتكرهه؛ فهي رئيسة، ولها خدم، وهذهالقوة هي التي بها تكون الإرادة. فإنالإرادة هي نزوع إلى ما أدرك وعن ما أدرك،إما بالحس، وإما بالتخيل، وإما بالقوةالناطقة، وحكم فيه أنه ينبغي أن يؤخذ أويترك.والنزوع قد يكون إلى علم شيء ما، وقد يكونإلى عمل شيء ما، إما بالبدن بأسره، وإمابعضو ما منه. والنزوع إنما يكون بالقوةالنزوعية الرئيسية.والأعمال بالبدن تكون بقوى تخدم القوةالنزوعية. وتلك القوى متفرقة في أعضاءأعدت لأن يكون بها تلك الأفعال، منهاأعصاب ومنها عضل سارية في الأعضاء، والتيتكون بها الأفعال التي نزوع الحيوانوالإنسان إليها. وتلك الأعضاء مثل اليدينوالرجلين وسائر الأعضاء التي يمكن أنتتحرك بالارادة. فهذه القوى التي في أمثالهذه الأعضاء هي كلها جسمانية وخادمة للقوةالنزوعية الرئيسية التي في القلب.وعلم الشيء قد يكون بالقوة الناطقة، وقديكون بالمتخيلة، وقد يكون بالإحساس.فإذا كان النزوع إلى علم شيء شأنه أن يدركبالقوة الناطقة، فإن الفعل الذي ينال بهما تشوق من ذلك، يكون بقوة ما أخرى فيالناطقة، وهي القوة الفكرية، وهي التيتكون بها الفكرة والرؤية والتأملوالاستنباط.وإذا كان النزوع إلى علم شيء ما يدركبإحساس، كان الذي ينال به فعلا مركبا منفعل بدني ومن فعل نفساني في مثل الشيء الذينتشوق رؤيته، فإنه يكون برفع الأجفان وبأننحاذي أبصارنا نحو الشيء الذي نتشوقرؤيته. فإن كان الشيء بعيدا مشينا إليه،وإن كان دونه حاجز أزلنا بأيدينا ذلكالحاجز. فهذه كلها أفعال بدنية، والإحساسنفسه فعل نفساني وكذلك في سائر الحواس.وإذا تشوق تخيل شيء ما، نيل ذلك من وجوه:أحدها يفعل بالقوة المتخيلة، مثل تخيلالشيء الذي يرجى ويتوقع، أو تخيل شيء مضى،أو تمني شيء ما تركبه القوة المتخيلة؛والثاني ما يرد على القوة المتخيلة منإحساس شيء ما، فتخيل إليه من ذلك أمر ماأنه مخوف أو مأمول، أو ما يرد عليها من فعلالقوة الناطقة.فهذه القوى النفسانية. الباب الحادي والعشرون
القول في كيف تصير هذه القوى والأجزاء
نفسا واحدة
فالغاذية الرئيسة شبه المادة للقوةالحاسة الرئيسة، والحاسة صورة في الغاذية.والحاسة الرئيسة شبه مادة للمتخيلة، صورةفي الحاسة الرئيسة. والمتخيلة الرئيسةمادة للناطقة الرئيسة، والناطقة صورة فيالمتخيلة، وليست مادة لقوى أخرى، فهي صورةلكل صورة تقدمتها. وأما النزوعية فإنهاتابعة للحاسة الرئيسة والمتخيلةوالناطقة، على جهة ما توجد الحرارة فيالنار تابعة لما تتجوهر به النار.فالقلب هو العضو الرئيس الذي لا يرأسه منالبدن عضو آخر. ويليه الدماغ، فإنه أيضاعضو ما رئيس، ورئاسته ليست رئاسة أولية،لكن رئاسة ثانية، وذلك لأنه يرأس بالقلب،ويرأس سائر الأعضاء؛ فإنه يخدم القلب فينفسه، وتخدمه سائر الأعضاء بحسب ما هومقصود القلب بالطبع. وذلك مثل صاحب دارالإنسان، فإنه يخدم الإنسان في نفسهوتخدمه سائر أهل داره، بحسب ما هو مقصودالإنسان في الأمرين، كأنه يخلفه ويقوممقامه وينوب عنه ويتبدل فيما ليس يمكن أنيبدله الرئيس، وهو المستولي على خدمةالقلب في الشريف من أفعاله.من ذلك أن القلب ينبوع الحرارة الغريزية،فمنه تنبث في سائر الأعضاء، ومنه تسترفد،وذلك بما ينبث فيها عنه من الروح الحيوانيالغريزي في العروق الضوارب. ومما يرفدهاالقلب من الحرارة إنما تبقى الحرارةالغريزية محفوظة على الأعضاء. والدماغ هوالذي يعدل الحرارة التي شأنها أن تنفذإليها من القلب حتى يكون ما يصل إلى كل عضومن الحرارة معتدلا له. وهذا أول أفعالالدماغ وأول شيء يخدم به وأعمها للأعضاء.
ومن ذلك أن في الأعصاب صنفين: أحدهما آلاتلرواضع القوة الحاسة الرئيسة التي فيالقلب في أن يحس كل واحد منها الحس الخاصبه، والآخر آلات الأعضاء التي تخدم القوةالنزوعية التي في القلب، بها يتأتى لها أنتتحرك الحركة الإرادية. والدماغ يخدمالقلب في أن يرفد أعصاب الحس ما يبقي بهقواها التي بها يتأتى للرواضع أن تحسمحفوظة عليها. والدماغ أيضا يخدم القلب فيأن يرفد أعصاب الحركة الإرادية ما يبقي بهقواها التي بها يتأتى للأعضاء الآليةالحركة الإرادية التي تخدم بها القوةالنزوعية التي في القلب. فإن كثيرا من هذهالأعصاب مغارزها التي منها يسترفد ما يحفظبه قواها في الدماغ نفسه؛ وكثيرا منهامغارزها في النخاع النافذ، والنخاع منأعلاه متصل بالدماغ، فإن الدماغ يرفدهابمشاركة النخاع لها في الارفاد.ومن ذلك أن تخيل القوةا لمتخيلة إنما يكونمتى كانت حرارة القلب على مقدار محدود.وكذلك فكر القوة الناطقة، إنما يكون متىكانت حرارته على ضرب ما من التقدير، أيفعل. وكذلك حفظها وتذكرها للشيء.فالدماغ أيضا يخدم القلب بأن يجعل حرارتهعلى الاعتدال الذي يجو به تخيله، وعلىالإعتدال الذي يجود به فكره ورويته، وعلىالاعتدال الذي يجود به حفظه وتذكره. فبجزءمنه يعدل به ما يصلح به التخيل، وبجزء آخرمنه يعدل به ما يصلح به الفكر، وبجزء ثالثيعدل به ما يصلح الحفظ والذكر. وذلك أنالقلب، لما كان ينبوع الحرارة الغريزية،لم يمكن أن يجعل الحرارة التي فيه إلا قويةمفرطة ليفضل منه ما يفيض إلى سائرالأعضاء، ولئلا يقصر أو يجود. فلم تكن كذلكفي نفسها إلا لغاية بقلبه. فلما كان كذلكوجب أن يعدل حرارته التي تنفذ إلىالأعضاء، ولا تكون حرارته في نفسها علىالاعتدال الذي تجود به أفعاله التي تخصه.فجعل الدماغ لأجل ذلك بالطبع باردا رطبا،حتى في الملمس، بالاضافة إلى سائرالأعضاء، وجعلت فيه قوة نفسانية تصير بهاحرارة القلب على اعتدال محدود محصل.والأعصاب التي للحس والتي للحركة، لماكانت أرضية بالطبع، سريعة القبول للجفاف،كانت تحتاج إلى أن تبقى رطبة إلى لدانةمواتية للتمدد والتقاصر. و "لما" كانتأعصاب الحس محتاجة مع ذلك إلى الروحالغريزي الذي ليست فيه دخانية أصلا "ولما"كان الروح الغريزي السالك في أجزاء الدماغهذه حاله، و "لما" كان القلب مفرط الحرارةناريها، لم تجعل مغارزها التي بها تتسترفدما يحفظ قواها في القلب، لئلا يسرع الجفافإليها فتتحلل وتبطل قواها وأفعالها، جعلتمغارزها في الدماغ وفي النخاع لأنهمارطبان جدا، لتنفذ من كل واحد منهما فيالأعصاب رطبوة تبقيها على اللدونة،وتستبقي بها قواها النفسانية، فبعضالأعصاب يحتاج فيها إلى أن تكون الرطوبةالنافذة فيها مائية لطيفة غير لزجة أصلا،وبعضها محتاج فيها إلى لزوجة ما. فما كانمنها محتاجا إلى مائية لطيفة غير لزجة،جعلت مغارزها في الدماغ؛ وما كان منهامحتاجا فيها مع ذلك إلى أن تكون رطوبتهافيها لزجة، جعلت مغارزها في النخاع؛ وماكان منها محتاجا فيها إلى أن تكون رطوبتهاقليلة، جعلت مغارزها أسفل الفقار والعصعص.ثم بعد الدماغ الكبد، وبعده الطحالن وبعدذلك أعضاء التوليد، وكل قوة في عضو كانشأنها أن تفعل فعلا جسمانيا ينفصل به منذلك العضو جسم ما ويصير إلى آخر، فإنه يلزمضرورة، إما أن يكون ذلك الآخر متصلابالأول، مثل اتصال كثير من الأعصاببالدماغ وكثير منها بالنخاع، أو أن يكونله طريق ومسيل متصل لذلك العضو يجري فيهذلك الجسمس، وكانت تلك القوة خادمة له أورئيسة، مثل الفم والرئة والكلية والكبدوالطحال وغير ذلك. وكلما احتاجت أو كانشأنها أن تفعل فعلا نفسانيا في غيرها،فإنه يلزم ضرورة أن يكون بينها مسيلجسماني، مثل فعل الدماغ في القلب.فأول ما يتكون من الأعضاء القلب، ثمالدماغ ثم الكبد ثم الطحال، ثم تتبعهاسائر الأعضاء، وأعضاء التوليد متأخرةالفعل من جميعها. ورياستها في البدنيسيرة، مثل ما يتبين من فعل الأنثيينوحفظهما الحرارة الذكرية والروح الذكريالشائعين من القلب في الحيوان الذكر الذيله انثيان.
والقوة التي بها يكون التوليد، منهارئيسة ومنها خادمة. والرئيسة منها فيالقلب، والخادمة في أعضاء التوليد. والقوةالتي يكون بها التوليد اثنتان: إحداهماتعد المادة التي يتكون عنها الحيوان الذيله تلك القوة، والأخرى تعطي صورة ذلكالنوع من الحيوان وتحرك المادة إلى أنتحصل لها تلك الصورة التي لذلك النوع.والقوة التي تعد المادة هي قوة الأنثى،والتي تعطي الصورة هي قوة الذكر. فإنالأنثى هي أنثى بالقوة التي تعد بهاالمادة، والذكر هو ذكر بالقوة التي تعطيتلك المادة صورة ذلك النوع الذي له تلكالقوة.والعضو الذي يخدم القلب في أن يعطي مادةالحيوان هو الرحم، والذي يخدمه في أن يعطيالصورة إما في الإنسان وإما في غيره منالحيوان العضو الذي يكيون المني. فإنالمني إذا ورد على رحم الأنثى فصادف هناكدما قد أعده الرحم لقبول صورة الإنسان،أعطى المني ذلك الدم قوة يتحرك بها إلى أنيحصل من ذلك الدم أعضاء الإنسان وصورة كلعضو، وبالجملة صورة الإنسان. فالدم المعدفي الرحم هو مادة الإنسان، والمني هوالمحرك لتلك المادو إلى أن تحصل فيهاالصورة.ومنزلة المني من الدم المعد في الرحممنزلة الأنفحة التي ينعقد عنها اللبن.وكما أن الأنفحة هي الفاعلة للإنعقاد فياللبن، وليس هي جزءا من المنعقد ولا مادة،كذلك المني ليس هو جزءا من المنعقد فيالرحم، ولا مادة. والجنين يتكون عن المنيكما يتكون الرائب من الأنفحة، ويتكون عندم الرحم كما يتكون الرائب عن اللبنالحليب، والابريق عن النحاس.والذي يكون المني في الإنسان هي الأوعيةالتي يوجد فيها المني، وهي العروق التيتحت جلد العانة، يرفدها في ذلك بعضالإرفاد الأنثيان. وهذه العروق نافذة إلىالمجرى الذي في القضيب ليسيل من تلكالعروف إلى مجرى القضيب، ويجري في ذلكالمجرى إلى أن ينصب في الرحم ويعطي الدمالذي فيه مبدأ قوة يتغير بها إلى أن تحصلبه الأعضاء وصورة كل عضو، وصورة جملةالبدن.والمني آلة الذكر.والآلات منها مواصلة، ومنها مفارقة منذلك، مثل الطبيب؛ فإن اليد آلة للطبيبيعالج بها، والمبضع آلة له يعالج بها،والدواء آلة يعالج بها. فالدواء آلةمفارقة، وإنما يواصله الطبيب حين ما يفعلهويصنعه ويعطيه قوة يحرك بها بدن العليلمثلا، فتحرك بدنه نحو الصحة. والطبيب الذيألقاها غائب أو ميت مثلا. وكذلك منزلةالمني. والمبضع "آلة" لا تفعل فعلها إلابمواصلة الطبيب المستعمل له، واليد أشدمواصلة له من المبضع. وأما الدواء فإنهيفعل بالقوة التي فيه من غير أن يكونالطبيب مواصلا له. كذلك المني فإنه آلةللقوة المولدة الذكرية وتفعل مفارقة.وأوعية المين والأنثيان آلة اللتوليدمواصلة للبدن. فمنزلة العروق التي تكونآلات المني من القوة الرئيسية التي فيالقلب منزلة يد الطبيب التي يعمل بهاادواء ويعطيه قوة حركة ويحرك بها بدنالعليل إلى الصحة. فإن تلك العروق التييستعملها القلب بالطبع هي آلات في أن يعطيالمني القوة التي يحرك بها الدم المعد فيالرحم إلى صورة ذلك النوع من الحيوان.فإذا أخذ الدم عن المني القوة التي يتحركبها إلى الصورة، فأول ما يتكون القلبوينتظر بتكوينه تكوين سائر الأعضاء مايتفق أن يحصل في القلب من القوى. فإن حصلتفيه مع القوة الغاذية القوة التي بها تعدالمادة، تكون سائر الأعضاء على أنها أعضاءأنثى. فإن حصلت فيه "القوة" التي تعطيالصورة، تكون سائر الأعضاء على أنها أعضاءذكر وتحصل من تلك الأعضاء المولدة التيللأنثى، وتحصل من هذه الأعضاء المولدةالتي للذكر. ثم سائر القوى النفسانيةالباقية تحدث في الأنثى على مثال ما هي فيالذكر.وهاتان القوتان، أعني الذكريةوالأنثوية، هما في الإنسان مفترقان فيشخصين، وأما في كثير من النبات فإنهمامقترنان على التمام في شخص واحد، مثل كثيرمن النبات الذي يتكون عن البذر؛ فإنالنبات يعطي المادة، وهي البذر، ويعطي بهامع ذلك قوة يتحرك بها نحو الصورة. فالذيأعطاه الاستعداد لقبول الصورة، وقوةيتحرك بها نحو الصورة. فالذي أعطاهالاستعداد لقبول الصورة هي القوةالأنثوية، والذي أعطاه مبدأ يتحرك به نحوالصورة هو القوة الذكرية.
وقد يوجد أيضا في الحيوان ما سبيله هذاالسبيل. ويوجد أيضا ما القوة الأنثوية فيهتامة، وتقترن إليها قوة ما ذكرية ناقصةتفعل فعلها إلى مقدار ما ثم تجوز، فتحتاجإلى معين من خارج، مثل الذي يبيض بيضالريح، ومثل كثير من أجناس السمك التيتبيض ثم تودع بيضها، فيتبعها ذكورتها،فتلقي عليها رطوبة. فأية بيضة أصابها منتلك الرطوبة شيء كان عنها حيوان، وما لميصبها ذلك فسدت.وأما الإنسان فليس كذلك. بل هاتان القوتانمتميزتان في شخصين، ولكل واحد منهما أعضاءتخصه: وهي الأعضاء المعروفة لهما، وسائرالأعضاء فيهما مشتركة. وكذلك يشتركان فيقوى النفس كلها سوى هاتين. وما يشركان فيهمن أعضاء فإنه في الذكر أسخن، وما كان منهافعله الحركة والتحريك، فإنه في الذكر أقوىحركة وتحريكا. والعوارض النفسانية، فماكان منها مائلا إلى القوة، مثل الغضبوالقسوة، فإنها في الأنثى أضعف وفي الذكرأقوى. وما كان من العوارض مائلا إلى الضعف،مثل الرأفة والرحمة، فإنه في الأنثى أقوى.على أنه لا يمتنع أن يكون في ذكورة الإنسانمن توجد العوارض فيه شبيهة بما في الإناث،وفي الإناث من توجد فيه هذه شبيهة بما هوفي الذكور. فبهذه تفترق الإناث والذكور فيالإنسان. وأما في القوة الحاسة وفيالمتخيلة وفي الناطقة، فليسا يختلفان.فيحدث عن الأشياء الخارجة رسوم المحسوساتفي القوى الحاسة التي هي رواضع، ثم تجتمعالمحسوسات المختلفة الأجناس، المدركةبأنواع الحواس الخمسة في القوى الحاسةالرئيسة، ويحدث عن المحسوسات الحاصلة فيهذه رسوم المتخيلات في القوة المتخيلة،فتبقى هناك محفوظة بعد غيبتها عن مباشرةالحواس لها. فتتحكم فيها، فيفرد بعضها عنبعض أحيانا، ويركب بعضها إلى بعض أصنافامن التركيبات كثيرة بلا نهاية، بعضهاكاذبة وبعضها صادقة. الباب الثاني والعشرون
القول في القوة الناطقة وكيف تعقل وما سببذلك
ويبقى بعد ذلك أن ترتسم في الناطقة رسومأصناف المعقولات والمعقولات التي شأنهاأن ترتسم في القوة الناطقة، منهاالمعقولات التي هي في جواهرها عقول بالفعلومعقولات بالفعل: وهي الأشياء البريئة منالمادة؛ ومنها المعقولات التي ليستبجوارها معقولة بالفعل، مثل الحجارةوالنبات، وبالجملة كل ما هو جسم أو في جسمذي مادة، والمادة نفسها وكل شيء قوامه بها.فإن هذه ليست عقولا بالفعل ولا معقولاتبالفعل. وأما العقل الإنساني الذي يحصل لهبالطبع في أول أمره، فإنه هيئة ما في مادةمعدة لأن تقبل رسوم المعقولات: فهي بالقوةعقل وعقل هيولاني، وهي أيضا بالقوةمعقولة. وسائر الأشياء التي في مادة، أو هيمادة أو ذوات مادة، فليست هي عقولا لابالفعل ولا بالقوة، ولكنها معقولاتبالقوة ويمكن أن تصير معقولات بالفعل.وليس في جواهرها كفاية في أن تصير من تلقاءأنفسها معقولات بالفعل. ولا أيضا في القوةالناطقة، ولا فيما أعطي الطبع كفاية في أنتصير من تلقاء نفسها عقلا بالفعل، بلتحتاج أن تصير عقلا بالفعل إلى شيء آخرينقلها من القوة إلى الفعل وإنما تصيرعقلا بالفعل إذا حصلت فيها المعقولات.وتصير المعقولات التي بالقوة معقولاتبالفعل إذا حصلت معقولة للعقل بالفعل. وهيتحتاج إلى شيء آخر ينقلها من القوة إلى أنيصيرها بالفعل. وهي تحتاج إلى شيء آخرينقلها من القوة إلى أن يصيرها بالفعل.والفاعل الذي ينقلها من القوة إلى الفعلهو ذات ما، جوهره عقل ما بالفعل، ومفارقللمادة. فإن ذلك العقل يعطي العقلالهيولاني، الذي هو بالقوة عقل، شيئا مابمنزلة الضوء الذي تعطيه الشمس البصر. لأنمنزلته من العقل الهيولاني منزلة الشمس منالبصر. فإن البصر هو قوة وهيئة ما في مادة،وهو من قبل أن يبصر فيه بصر بالقوة،والألوان من قبل أن تبصر مبصرة مرئيةبالقوة.
وليس في جوهر القوة الباصرة التي في العينكفاية في أن يصير بصرا بالفعل، ولا في جوهرالألوان كفاية في أن تصير مرئية مبصرةبالفعل. فإن الشمس تعطي البصر ضوءا يضاءبه، وتعطى الألوان ضوءا تضاء بها، فيصيرالبصر، بالضوء الذي استفاده من الشمسمبصرا بالفعل وبصيرا بالفعل؛ وتصيرالألوان، بذلك الضوء، مبصرة مرئية بالفعلبعد أن كانت مبصرة مرئية بالقوة. كذلك هذاالعقل الذي بالفعل يفيد العقل الهيولانيشيئا ما يرسمه فيه. فمنزلة ذلك الشيء منالعقل الهيولاني منزلة الضوء من البصر.وكما أن البصر بالضوء نفسه يبصر الضوءالذي هو سبب إبصاره، ويبصر الشمس التي هيسبب الضوء به بعينه، ويبصر الأشياء التيهي بالقوة مبصرة فتصير مبصرة بالفعل، كذلكالعقل الهيولاني فإنه بذلك الشيء الذيمنزلته منه منزلة الضوء من البصر، يعقلذلك الشيء نفسه، وبه يعقل العقل الهيولانيالعقل بالفعل الذي هو سبب ارتسام ذلكالشيء في العقل الهيولاني، وبه تصيرالأشياء التي كانت معقولة بالقوة معقولةبالفعل، ويصير هو أيضا عقلا بالفعل بعد أنكان عقلا بالقوة.وفعل هذا العقل المفارق في العقلالهيولاني شبيه فعل الشمس في البصر، فلذلكسمي العقل الفعال. ومرتبته من الأشياءالمفارقة التي ذكرت من دون السبب الأولالمرتبة العاشرة. ويسمى العقل الهيولانيالعقل المنفعل. وإذا حصل في القوة الناطقةعن العقل الفعال ذلك الشيء الذي منزلتهمنها منزلة الضوء من البصر، حصلت حينئذ عنالمحسوسات التي هي محفوظة في القوةالمتخيلة معقولات في القوة الناطقة؛ وتلكهي المعقولات الأولى التي هي مشتركة لجميعالناس مثل أن الكل أعظم من الجزء، وأنالمقادير المساوية للشيء الواحد متساوية.المعقولات الأول المشتركة ثلاثة أصناف:صنف أوائل للهندسة العلمية، وصنف أوائليوقف بها على الجميل والقبيح مما شأنه أنيعمله الإنسان، وصنف أوائل تستعمل في أنيعلم بها أحوال الموجودات التي ليس شأنهاأن يفعلها الإنسان ومباديها ومراتبها،مثل السموات والسبب الأول وسائر المباديالآخر، وما شأنها أن يحدث عن تلك المبادي. الباب الثالث والعشرون
القول في الفرق بين الإرادة والإختياروفي السعادة
فعندما تحصل هذه المعقولات للإنسان يحدثله بالطبع تأمل، وروية وذكر، وتشوق إلىالاستنباط، ونزوع إلى بعض ما عقله أولا،وشوق إليه وإلى بعض ما يستنبطه، أو كراهته.والنزوع إلى ما أدركه بالجملة هو الإرادة.فإن كان ذلك "النزوع" عن إحساس أو تخيل، سميبالإسم العام وهو الإرادة؛ وإن كان ذلك عنروية أو عن نطق في الجملة، سمي الإختيار.وهذا يوجد في الإنسان خاصة، وأما النزوععن إحساس أو تخيل فهو أيضا في سائرالحيوان. وحصول المعقولات الأولى للإنسانهو استكماله الأول. وهذه المعقولات إنماجعلت له ليستعملها في أن يصير إلىاستكماله الأخير.وذلك هو السعادة. وهي أن تصير نفس الإنسانمن الكمال في الوجود إلى حيث لا تحتاج فيقوامها إلى مادة، وذلك أن تصير في جملةالأشياء البريئة عن الأجسام، وفي جملةالجواهر المفارقة للمواد، وأن تبقى علىتلك الحال دائما أبدا. إلا أن رتبتها تكوندون رتبة العقل الفعال. وإنما تبلغ ذلكبأفعال ما إرادية، بعضها أفعال فكرية،وبعضها أفعال بدنية، وليست بأي أفعالاتفقت، بل بأفعال ما محدودة مقدرة تحصل عنهيئات ما وملكات ما مقدرة محدودة. وذلك أنمن الأفعال الارادية ما يعوق عن السعادة.والسعادة هي الخير المطلوب لذاته، وليستتطلب أصلا ولا في وقت من الأوقات لينال بهاشيء آخر، وليس وراءها شيء آخر يمكن أنيناله الإنسان أعظم منها. والأفعالالإرادية التي تنفع في بلوغ السعادة هيالأفعال الجميلة. والهيئات والملكات التيتصدر عنها هذه الأفعال هي الفضائل. وهذهخيرات هي لا لأجل ذواتها بل إنما هي خيراتلأجل السعادة. والأفعال التي تعوق عنالسعادة هي الشرور، وهي الأفعال القبيحة.والهيئات والملكات التي عنها تكون هذهالأفعال هي النقائص والرذائل والخسائس.
فالقوة الغاذية التي في الإنسان إنماجعلت لتخدم البدن، وجعلت الحاسةوالمتخيلة لتخدما البدن ولتخدما القوةالناطقة. وخدمة هذه الثلاثة للبدن راجعةإلى خدمة القوة الناطقة، إذ كان قوامالناطقة أولا بالبدن. والناطقة، منهاعملية ومنها نظرية. والعملية جعلت لتخدمالنظرية، والنظرية لا لتخدم شيئا آخر، بلليوصل بها إلى السعادة.وهذه كلها مقرونة بالقوة النزوعية.والنزوعية تخدم المتخيلة وتخدم الناطقة.والقوى الخادمة المدركة ليس يمكنها أنتوفي الخدمة والعمل إلا بالقوة النزوعية.فإن الإحساس والتخيل والروية ليست كافيةفي أن تفعل دون أن يقترن إلى ذلك تشوق إلىما أحس أو تخيل أو روّى فيه وعلم، لأنالإرادة هي أن تنزع بالقوة النزوعية إلىما أدركت.فإذا علمت بالقوة النظرية السعادة ونضبتغاية وتشوقت بالنزوعية واستنبطت بالقوةالمروية ما ينبغي أن تعمل حتى تنالبمعاونة المتخيلة والحواس على ذلك، ثمفعلت بآلات القوة النزوعية تلك الأفعال،كانت أفعال الإنسان كلها خيرات وجميلة.فإذا لم تعلم السعادة، أو علمت ولم تنصبغاية بتشوق، بل نصبت الغاية شيئا آخرسواها وتشوقت بالنزوعية واستنبطت بالقوةالمروية ما ينبغي أن تعمل حتى تنال الحواسوالمتخيلة، ثم فعلت تلك الأفعال بآلاتالقوة النزوعية، كانت أفعال ذلك الإنسانكلها غير جميلة. الباب الرابع والعشرون
القول في سبب المنامات
والقوة المتخيلة متوسطة بين الحاسة وبينالناطقة؛ وعندما تكون رواضع الحاسة كلهاتحس بالفعل وتفعل أفعالها، تكون القوةالمتخيلة منفعلة عنها، مشغولة بما توردهالحواس عليها من المحسوسات وترسمه فيها.وتكون هي أيضا مشغولة بخدمة القوةالناطقة، وبارفاد القوة النزوعية.فإذا صارت الحاسة والنزوعية والناطقة علىكمالاتها الأول، بأن لا تفعل أفعالها، مثلما يعرض عند حال النوم، انفردت القوةالمتخيلة بنفسها، فارغة عما تجدده الحواسعليها دائما من رسوم المحسوسات، وتخلت عنخدمة القوة الناطقة والنزوعية، فتعود إلىما تجده عندها من رسوم المحسوسات محفوظةباقية، فتفعل فيها بأن تركب بعضها إلىبعض، وتفصل بعضها عن بعض. ولها مع حفظهارسوم المحسوسات وتركيب بعضها إلى بعض، فعلثالث: وهو المحاكاة. فإنها خاصة من بينسائر قوى النفس، لها قدرة على محاكاةالأشياء المحسوسة التي تبقى محفوظة فيها.فأحيانا تحاكي المحسوسات بالحواس الخمس،بتركيب المحسوسات المحفوظة عندهاالمحاكية لتلك، وأحيانا تحاكي المعقولات،وأحيانا تحاكي القوة الغاذية.وأحيانا تحاكي القوة النزوعية، وتحاكيأيضا ما يصادف البدن عليه من المزاج. فإنهامتى صادفت مزاج البدن رطبا، حاكت الرطوبةبتركيب المحسوسات التي تحاكي الرطوبة،مثل المياه والسباحة فيها. ومتى كان مزاجالبدن يابسا، حاكت يبوسة البدنبالمحسوسات التي شأنها أن تحاكي بهااليبوسة. وكذلك تحاكي حرارة البدنوبرودته، إذا اتفق في وقت من الأوقات أنكان مزاجه في وقت البدن وبرودته، إذا اتفقفي وقت من الأوقات أن كان مزاجه في وقتماحارا أو باردا. وقد يمكن، إن كانت هذهالقوة هيئة وصورة في البدن، أن يكونالبدن، إذا كان على مزاج ما، أن يفعل"البدن" فيها ذلك المزاج. غير أنها لما كانتنفسانية، كان قبولها لما يفعل فيها البدنمن المزاج على حسب ما في طبيعتها أن تقبله،لا على حسب ما في طبيعة الأجسام أن تقبلالمزاجات. فإن الجسم الرطب، متى فعل رطوبةفي جسم ما، قبل الجسم المنفعل الرطوبة،فصار رطبا مثل الأول. وهذه القوة، متى فعلفيها رطوبة أو أدنيت إليها رطوبة، لم تصررطبة، بل تقبل تلك الرطوبة بما تحاكيها منالمحسوسات. كما أن القوة الناطقة، متىقبلت الرطوبة فإنها إنما تقبل ماهيةالرطوبة بأن تعقلها، ليست الرطوبة نفسها؛كذلك هذه القوة، متى فعل فيها شيء، قبلتذلك عن الفاعل على حسب ما في جوهرهاواستعدادها أن تقبل ذلك.فأي شيء ما فعل فيها، فإنها إن كان فيجوهرها أن تقبل ذلك الشيء، وكان مع ذلك فيجوهرها أن تقبله كما ألقي إليها، قبلت ذلكبوجهين: أحدهما بأن تقبله كما هو وكما ألقيإليها، والثاني بأن تحاكي ذلك الشيءبالمحسوسات التي شأنها أن تحاكي ذلكالشيء.
وإن كان في جوهرها أن لا تقبل الشيء كماهو، قبلت ذلك بأن تحاكي ذلك الشيءبالمحسوسات التي تصادفها عندها مما شأنهاأن تحاكي ذلك الشيء. ولأنها ليس لها أنتقبل المعقولات معقولات، فإن القوةالناطقة، متى أعطتها المعقولات التي حصلتلديها، لم تقبلها كما هي في القوةالناطقة، لكن تحاكيها بما تحاكيها منالمحسوسات. ومتى أعطاها البدن المزاج الذييتفق أن يكون له في وقت ما، قبلت ذلكالمزاج بالمحسوسات التي تتفق عندها مماشأنها أن تحاكي ذلك المزاج. ومتى أعطيتشيئا شأنه أن يحس، قبلت ذلك أحيانا كماأعطيت، وأحيانا بأن تحاكي ذلك المحسوسبمحسوسات أخر تحاكيه.وإذا صادفت "المخيلة" القوة النزوعيةمستعدة استعدادا قريبا لكيفية "ما أو هيئة"مثل غضب أو شهوة أو لانفعال ما بالجملة،حاكت القوة النزوعية بتركيب الأفعال التيشأنها أن تكون عن تلك الملكة التي توجد فيالقوة النزوعية معدة، في ذلك الوقت،لقبولها. ففي مثل هذا، ربما أنهضت القوىالرواضع الأعضاء الخادمة لأن تفعل فيالحقيقة الأفعال التي شأنها أن تكون بتلكالأعضاء عندما تكون في القوة النزوعية تلكالأفعال. فتكون القوة المتخيلة بهذاالفعل، أحيانا، تشبه الهازل، وأحياناتشبه الميت. ثم ليس بهذا فقط، ولكن إذا كانمزاج البدن مزاجا شأنه أن يتبع ذلك المزاجانفعال ما في القوة النزوعية، حاكت ذلكالمزاج بأفعال القوة النزوعية الكائنة عنذلك اللإنفعال، وذلك من قبل أن يحصل ذلكالإنفعال. فتنهض الأعضاء التي فيها القوةالخادمة للقوة النزوعية، نحو تلك الأفعالبالحقيقة.من ذلك، أن مزاج البدن إذا صار مزاجا شأنهأن يتبع ذلك المزاج في القوة النزوعيةشهوة النكاح، حاكت "المتخيلة" ذلك المزاجبأفعال النكاح؛ فتنهض أعضاء هذا الفعلللإستعداد نحو فعل النكاح، لا عن شهوةحاصلة في ذلك الوقت، لكن المحاكاة القوةالمتخيلة للشهوة بأفعال تلك الشهوة. وكذلكفي سائر الانفعالات، وكذلك ربما قامالإنسان من نومه فضرب آخر، أو قام ففر منغير أن يكون هناك وارد من خارج. فيقوم ماتحاكيه القوة المتخيلة من ذلك الشيء مقامذلك الشيء لو حصل في الحقيقة.وتحاكي أيضا القوة الناطقة بأن تحاكي ماحصل فيها من المعقولات بالأشياء التيشأنها أن تحاكي بها المعقولات. فتحاكيالمعقولات التي في نهاية الكمال، مثلالسبب الأول والأشياء المفارقة للمادةوالسموات، بأفضل المحسوسات وأكملها، مثلالأشياء الحسنة المنظر. وتحاكي المعقولاتالناقصة بأخس المحسوسات وأنقصها، مثلالأشياء القبيحة المنظر. وكذلك تحاكي تلك"القوة" سائر المحسوسات اللذيذة المنظر.
والعقل الفعال، لما كان هو السبب في أنتصير به المعقولات التي هي القوة معقولاتبالفعل، وأن يصير ما هو عقل بالقوة عقلابالفعل، وكان ما سبيله أن يصير عقلابالفعل هي القوة الناطقة، وكانت الناطقةضربين: ضربا نظريا وضربا عمليا، وكانتالعملية هي التي شأنها أن تفعل الجزئياتالحاضرة والمستقبلة، والنظرية هي التيشأنها أن تعقل المعقولات التي شأنها أنتعلم، وكانت القوة المتخيلة مواصلة لضربيالقوة الناطقة، فإن الذي تنال القوةالناطقة عن العقل الفعال- وهو الشيء الذيمنزلته الضياء من البصر- قد يفيض منه علىالقوة المتخيلة. فيكون للعقل الفعال فيالقوة المتخيلة فعل ما، تعطيه أحياناالمعقولات التي شأنها أن تحصل في الناطقةالنظرية، وأحيانا الجزئيات المحسوساتالتي شأنها أن تحصل في الناطقة العملية،فتقبل "القوة المتخيلة" المعقولات بمايحاكيها من المحسوسات التي تركبها هي.وتقبل الجزئيات أحيانا بأن تتخيلها كماهي، وأحيانا بأن تحاكيها بمحسوسات أخر،وهذه هي التي شأن الناطقة العملية أنتعملها بالرويةب. فمنها حاضرة، ومنهاكائنة في المستقبل. إلا أن ما يحصل للقوةالمتخيلة من هذه كلها، بلا توسط روية.فلذلك يحصل في هذه الأشياء بعد أن يستنبطبالروية. فيكون ما يعطيه العقل الفعالللقوة المتخيلة من الجزئيات، بالمناماتوالرؤيات الصادقة؛ وبما يعطيها منالمعقولات التي تقبلها بأن يأخذ محاكاتهامكانها بالكهانات على الأشياء الإلهية.وهذه كلها قد تكون في النوم، وقد تكون فياليقظة إلا أن التي تكون في اليقظة قليلةوفي الأقل من الناس، فأما التي في النومفأكثرها الجزئيات، وأما المعقولاتفقليلة. الباب الخامس والعشرون
القول في الوحي ورؤية الملك
وذلك: أن القوة المتخيلة إذا كانت فيإنسان ما قوية كاملة جدا، وكانت المحسوساتالواردة عليها من خارج لا تستولي عليهاإستيلاء يستغرقها بأسرها، ولا أخدمتهاللقوة الناطقة، بل كان فيها، مع اشتغالهابهذين، فضل كثير تفعل به أيضا أفعالهاالتي تخصها، وكانت حالها عند اشتغالهابهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند تحللهامنهما في وقت النوم، و "لما كان" كثير منهذه التي يعطيها العقل الفعال، فتتخيلهاالقوة المتخيلة بما تحاكيها من المحسوساتالمرئية، فإن تلك المتخيلة تعود فترتسم فيالقوة الحاسةس.فإذا حصلت رسومها في الحاسة المشتركة،انفعلت عن تلك الرسوم القوة الباصرة،فارتسمت فيها تلك، فيحصل عما في القوةالباصرة منها رسوم تلك في الهواء المضيءالمواصل للبصر المنجاز بشعاع البصر. فإذاحصلت تلك الرسوم في الهواء عاد ما فيالهواء، فيرتسم من رأس في القوة الباصرةالتي في العين، وينعكس ذلك إلى الحاسالمشترك وإلى القوة المتخيلة. ولأن هذهكلها متصلة بعضها ببعض، فيصير، ما أعطاهالعقل الفعال من ذلك، مرئيا لهذا الإنسان.فإذا اتفق أن كانت التي حاكت بها القوةالمتخيلة أشياء محسوسات في نهاية الجمالوالكمال، قال الذي يرى ذلك أن لله عظمةجليلة عجيبة، ورأى أشياء عجيبة لا يمكنوجود شيء منها في سائر الموجودات أصلا. ولايمتنع أن يكون الإنسان، إذا بلغت قوتهالمتخيلة نهاية الكمال، فيقبل، في يقظته،عن العقل الفعال، الجزئيات الحاضرةوالمستقبلة، أو محاكياتها من المحسوسات،ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائرالموجودات الشريفة، ويراها. فيكون له بماقبله من المعقولات، نبوة بالأشياءالإلهية. فهذا هو أكمل المراتب التي تنتهيإليها المتخيلة، وأكمل المراتب التييبلغها الإنسان بقوته المتخيلة.ودون هذا: من يرى جميع هذه، بعضها فييقظته، وبعضها في نومه؛ ومن يتخيل في نفسههذه الأشياء كلها لا يراها ببصره.
ودون هذا من يرى جميع هذه في نومه فقط.وهؤلاء تكون أقاويلهم التي يعبرون بهاأقاويل محاكية ورموزا وألغازا وأبدالاتوتشبيهات ثم يتفاوت هؤلاء تفاوتا كثيرا:فمنهم من يقبل الجزئيات ويراها في اليقظةفقط ولا يقبل المعقولات؛ ومنهم من يقبلالمعقولات ويراها في اليقظة، ولايقبلالجزئيات؛ ومنهم من يقبل بعضها ويراها دونبعض؛ ومنهم من يرى شيئا في يقظته ولا يقبلبعض هذه في نومه؛ ومنهم من لا يقبل شيئا فييقظته، بل إنما ما يقبل في نومه فقط، فيقبلفي نومه الجزئيات ولا يقبل المعقولات،ومنهم من يقبل شيئا من هذه وشيئا من هذه؛ومنهم من يقبل شيئا من الجزئيات فقط؛ وعلىهذا يوجد الأكثر. والناس أيضا يتفاضلون فيهذا.وكل هذه معاونة للقوة الناطقة. وقد تعرضعوارض يتغير بها مزاج الإنسان، فيصير بذلكمعدا لأن يقبل عن العقل الفعال بعض هذه فيوقت اليقظة أحيانا، وفي النوم أحيانا.فبعضهم يبقى ذلك فيهم زمانا، وبعضهم إلىوقت ما ثم يزول. وقد تعرض أيضا للإنسانعوارض، فيفسد بها مزاجه وتفسد تخاييله؛فيرى أشياء مما تركبه القوة المتخيلة علىتلك الوجوه مما ليس وجود، ولا هي محاكاةلموجود. وهؤلاء الممرورون والمجانينوأشباههم. الباب السادس والعشرون
القول في احتياج الإنسان إلى الإجتماعوالتعاون
وكل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج،في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته، إلىأشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها هووحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحدمنهم بشيء مما يحتاج إليه. وكل واحد من كلواحد بهذه الحال.فلذلك لا يمكن أن يكون الإنسان ينالالكمال، الذي لأجله جعلت الفطرةالطبيعية، إلا باجتماعات جماعة كثيرةمتعاونين، يقوم كل واحد لكل واحدن ببعض مايحتاج إليه في قوامه؛ فيجتمع، مما يقوم بهجملة الجماعة لكل واحد، جميع ما يحتاجإليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال. ولهذاكثرت أشخاص الإنسان، فحصلوا في المعمورةمن الأرض، فحدثت منها الإجتماعاتالإنسانية.فمنها الكاملة، ومنها غير الكاملة.والكاملة ثلاث: عظمى ووسطى وصغرى.فالعظمى، اجتماعات الجماعة كلها فيالمعمورة؛ والوسطى، اجتماع أمة في جزء منالمعمورة؛ والصغرى، اجتماع أهل مدينة فيجزء من مسكن أمة.وغير الكاملة: إجتماع أهل القرية،وإجتماع أهل المحلة، ثم إجتماع في سكة، ثمإجتماع في منزل. وأصغرها المنزل. والمحلةوالقرية هما جميعا لأهل المدينة؛ إلا أنالقرية للمدينة على أنها خادمة للمدينة؛والمحلة للمدينة على أنها جزؤها. والسكةجزء المحلة؛ والمنزل جزء السكة؛ والمدينةجزء مسكن أمة والأمة جزء جملة أهلالمعمورة.فالخير الأفضل والكمال الأقصى إنما ينالأولا بالمدينة، لا باجتماع الذي هو أنقصمنها. ولما كان شأن الخير في الحقيقة أنيكون ينال بالإختيار والإرادة، وكذلكالشرور إنما تكون بالإرادة والإختيار،أمكن أن تجعل المدينة للتعاون على بلوغبعض الغايات التي هي شرور؛ فلذلك كل مدينةيمكن أن ينال بها السعادة. فالمدينة التييقصد بالإجتماع فيها التعاون على الأشياءالتي تنال بها السعادة في الحقيقة، هيالمدينة الفاضلة. والإجتماع الذي بهيتعاون على نيل السعادة هو الإجتماعالفاضل. والأمة التي تتعاون مدنها كلهاعلى ما تنال به السعاد هي الأمة الفاضلة.وكذلك المعمورة الفاضلة، إنما تكون إذاكانت الأمم التي فيها تتعاون على بلوغالسعادة.والمدينة الفاضلة تشبه البدن التامالصحيح، الذي تتعاون أعضاؤه كلها علىتتميم حياة الحيوان، وعلى حفظها عليهس.وكما أن البدن أعضاؤه مختلفة متفاضلةالفطرة والقوى، وفيها عضو واحد رئيس وهوالقلب، وأعضاؤه تقرب مراتبها من ذلكالرئيس، وكل واحد منها جعلت فيه بالطبعقوة يفعل بها فعله، ابتغاء لما هو بالطبعغرض ذلك العضو الرئيس، وأعضاء أخر فيهاقوى تفعل أفعالها على حسب أغراض هذه التيليس بينها وبين الرئيس واسطة- فهذه فيالرتبة الثانية- وأعضاء أخر تفعل الأفعالعلى حسب غرض هؤلاء الذين في هذه المرتبةالثانية، ثم هكذا إلى أن تنتهي إلى أعضاءتخدم ولا ترؤس أصلا. وكذلك المدينة،أجزاؤها مختلفة الفطرة، متفاضلة الهيئات.
وفيها إنسان هو رئيس، وأخر يقرب مراتبهامن الرئيس. وفي كل واحد منها هيئة وملكةيفعل بها فعلا يقتضي به ما هو مقصود ذلكالرئيس. وهؤلاء هم أولو المراتب الأول.ودون هؤلاء قوم يفعلون الأفعال على حسبأغراض هؤلاء، وهؤلاء هم في الرتبةالثانية. ودون هؤلاء أيضا من يفعل الأفعالعلى حسب أغراض هؤلاء. ثم هكذا تترتب أجزاءالمدينة إلى أن تنتهي إلى أخر يفعلونأفعالهم على حسب أغراضهم، فيكون هؤلاء همالذين يخدمون ولا يخدمون، ويكونون في أدنىالمراتب، ويكونون هم الأسفلين.غير أن أعضاء البدن طبيعية، والهيئاتالتي لها قوى طبيعية وأجزاء المدينة، وإنكانوا طبيعيين، فإن الهيئات والملكاتالتي يفعلون بها أفعالهم للمدينة ليستطبيعية، بل ارادية. على أن أجزاء المدينةمفطورون بالطبع بفطر متفاضلة يصلح بهاإنسان لإنسان، لشيء دون شيء. غير أنهمليسوا أجزاء المدينة الفطرة، متفاضلةالهيئات.وفيها إنسان هو رئيس، وأخر يقرب مراتبهامن الرئيس. وفي كل واحد منها هيئة وملكةيفعل بها فعلا يقتضي به ماهو مقصود ذلكالرئيس. وهؤلاء هم أولو المراتب الأول.ودون هؤلاء قومي فعلون الأفعال على حسبأغراض هؤلاء. ثم هكذا تترتب أجزاء المدينةإلى أن تنتهي إلى أخر يفعلون أفعالهم علىحسب أغراضهم، فيكون هؤلاء هم الذين يخدمونولا يخدمون، ويكونون في أدنى المراتب،ويكونون هم الأسفلين.غير أن أعضاء البدن طبيعية، والهيئاتالتي لها قوى طبيعية وأجزاء المدينة، وإنكانوا طبيعيين، فإن الهيئات والملكاتالتي يفعلون بها أفعالهم للمدينة ليستطبيعية، بل ارادية. على أن أجزاء المدينةمفطورون بالطبع بفطر متفاضلة يصلح بهاإنسان لإنسان، لشيء دون شيء. غير أنهمليسوا أجزاء المدينة بالفطر التي لهموحدها، بل بالملكات الإرادية التي تحصللها، وهي الصناعات وما شاكلها والقوى التيهي أعضاء البدن بالطبع، فإن نظائرها فيأجزاء المدينة ملكات وهيئات إرادية. الباب السابع والعشرون
القول في العضو الرئيس
وكما أن العضو الرئيس في البدن هو بالطبعأكمل أعضائه وأتمها في نفسه وفيما يخصه،وله من كل ما يشارك فيه عضو آخر أفضله؛ودونه أيضا أعضاء أخرى رئيسة لما دونها،ورياستها دون رياسة الأول، وهي تحت رياسةالأول ترأس وتُرأس؛ كذلك رئيس المدينة هوأكمل أجزاء المدينة فيما يخصه، وله من كلما شارك فيه غيره أفضله. ودونه قوم رؤوسونمنه ويرؤسون آخرين.وكما أن القلب يتكون أولا، ثم يكون هوالسبب في أن يكون سائر أعضا البدن، والسببفي أن تحصل لها قواها وأن تترتب مراتبها،فإذا اختل منها عضو كان هو المرفد بما يزيلعنه ذلك الاختلال، كذلك رئيس هذه المدينةينبغي أن يكون هو أولا، ثم يكون هو السببفي أن تحصل المدينة وأجزاؤها، والسبب فيأن تحصل الملكات الإرادية التي لأجزائهافي أن تترتب مراتبها؛ وإن اختل منها جزءكان هو المرفد له بما يزيل عنه اختلاله.وكما أن الأعضاء التي تقرب من العضوالرئيس تقوم من الأفعال الطبيعية التي هيعلى حسب غرض الرئيس الأول بالطبع بما هوأشرف، وما هو دونها من الأعضاء يقومبالأفعال بما هو دون ذلك في الشرف، إلى أنينتهي إلى الأعضاء التي يقوم بها منالأفعال أخسها؛ كذلك الأجزاء التي تقرب فيالرياسة من رئيس المدينة تقوم من الأفعالالإرادية بما هو أشرف ومن دونهم بما هو دونذلك في الشرف، إلى أن ينتهي إلى الأجزاءالتي تقوم من الأفعال بأخسها.وخسة الأفعال ربما كانت بخسة موضوعاتها،فإن كانت تلك الأفعال عظيمة الغناءس، مثلفعل المثانة وفعل الأمعاء في البدن؛ وربماكانت لقلة غنائها؛ وربما كانت لأجل أنهاكانت سهلة جدا؛ كذلك "الحال" في المدينة.وكذلك كل جملة كانت أجزاؤها مؤتلفة منتظمةمرتبطة بالطبع، فإن لها رئيسا حاله منسائر الأجزاء هذه الحال.
وتلك أيضا حال الموجودات. فإن السبب الأولنسبته إلى سائر الموجودات كنسبة ملكالمدينة الفاضلة إلى سائر أجزائها. فإنالبريئة من المادة تقرب من الأول، ودونهاالأجسام السماوية، ودون السماوية الأجسامالهيولانية. وكل هذه تحتذي حذو السببالأول وتؤمه وتقتفيه؛ ويفعل ذلك كل موجودبحسب قوته. إلا أنها أنما تقتفي الغرضبمراتب، وذلك أن الأخس يقتفي غرض ما هوفوقه قليلا، وذلك يقتفي غرض ما هو فوقه،وأيضا كذلك للثالث غرض ما هو فوقه، إلى أنتنتهي إلى التي ليس بينها وبين الأولواسطة أصلا.فعلى هذا الترتيب تكون الموجودات كلهاتقتفي غرض السبب الأول فالتي أعطيت كل مابه وجودها من أول الأمر، فقد احتذى بها منأول أمرها حذو الأول ومقصده، فعادت وصارتفي المراتب العالية. وأما التي لم تعط منأول الأمر كل ما به وجودها، فقد أعطيت قوةتتحرك بها نحو ذلك الذي تتوقع نيله،وتقتفي في ذلك ما هو غرض الأول. وكذلكينبغي أن تكون المدينة الفاضلة: فإنأجزاءها كلها ينبغي أن تحتذي بأفعالها حذومقصد رئيسها الأول على الترتيب.ورئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكونأي إنسان اتفق، لأن الرئاسة إنما تكونبشيئين: أحدهما أن يكون بالفطرة والطبعمعدا لها، والثاني بالهيئة والملكةالإرادية. والرياسة تحصل لمن فطر بالطبعمعدا لها. فليس كل صناعة يمكن أن يُرأسبها، بل أكثر الصنائع صنائع يخدم بها فيالمدينة، وأكثر الفطر هي فطر الخدمة. وفيالصنائع صنائع يراس بها ويخدم بها صنائعأخر، وفيها صنائع يخدم بها فقط ولا يرأسبها أصلا. فكذلك ليس يمكن أن تكون صناعةرئاسة المدينة الفاضلة أية صناعة مااتفقت، ولا أية ملكة ما اتفقت.وكما أن الرئيس الأول في جنس لا يمكن أنيرأسه شيء من ذلك الجنس، مثل رئيسالأعضاء، فإنه هو الذي لا يمكن أن يكون عضوآخر رئيسا عليه؛ وكذلك في كل رئيس فيالجملة. كذلك الرئيس الأول للمدينةالفاضلة ينبغي أن تكون صناعته صناعة لايمكن أن يخدم بها أصلا، ولا يمكن فيها أنترأسها صناعة أخرى أصلا. بل تكون صناعتهصناعة نحو غرضها تؤم الصناعات كلها،وإيّاه يقصد بجميع أفعال المدينة الفاضلة.ويكون ذلك الإنسان إنسانا لا يكون يرأسهإنسان أصلا؛ وإنما يكون ذلك الإنسانإنسانا قد استكمل، فصار عقلا ومعقولابالفعل. وقد استكملت قوته المتخيلة بالطبعغاية الكمال على ذلك الوجه الذي قلنا،وتكون هذه القوة منه معدة بالطبع لتقبل،إما بأنفسها وإما بما يحاكيها، ثمالمعقولات بما يحاكيها. وأن يكون عقلهالمنفعل قد استكمل بالمعقولات كلها، حتىلا يكون ينفي عليه منها شيء، وصار عقلابالفعل.فأي إنسان استكمل عقله المنفعلبالمعقولات كلها، وصار عقلا بالفعلومعقولا بالفعل، وصار المعقول منه هو الذييعقل، حصل له حينئذ عقل ما بالفعل رتبتهفوق العقل المنفعل، أتم وأشد مفارقةللمادة، ومقاربة من العقل الفعال، ويسمىالعقل المستفاد، ويصير متوسطا بين العقلالمنفعل وبين العقل الفعال، ولا يكون بينهوبين العقل الفعال شيء آخر. فيكون العقلالمنفعل كالمادة والموضوع للعقلالمستفاد، والعقل المستفاد كالمادةوالموضوع للعقل الفعال. والقوة الناطقة،التي هي هيئة طبيعية، تكون مادة موضوعةللعقل الفعال الذي هو بالفعل عقل.وأول الرتبة التي بها الإنسان إنسان هو أنتحصل الهيئة الطبيعية القابلة المعدة لأنيصير عقلا بالفعل. وهذه هي المشتركةللجميع؛ فبينها وبين العقل الفعال رتبتان"هما": أن يحصل العقل المنفعل بالفعل، وأنيحصل العقل المستفاد. وبين هذا الإنسانالذي بلغ هذا المبلغ من أول رتبةالإنسانية وبين العقل الفعال رتبتان. وإذاجعل العقل المنفعل الكامل والهيئةالطبيعية كشيء واحد، على مثال ما يكونالمؤتلف من المادة والصورة شيئا واحدا،وإذا أخذ هذا الإنسان صورة إنسانية، هوالعقل المنفعل الحاصل بالفعل، كان بينهوبين العقل الفعال رتبة واحدة فقط. وإذاجعلت الهيئة الطبيعية مادة العقل المنفعلالذي صار عقلا بالفعل، والمنفعل مادةالمستفاد، والمستفاد مادة العقل الفعال،وأخذت جملة ذلك كشيء واحد، كان هذاالإنسان هو الإنسان الذي حل فيه العقلالفعال.
وإذا حصل ذلك في كلا جزئي قوته الناطقة،وهما النظرية والعملية، ثم في قوتهالمتخيلة، كان هذا الإنسان هو الذي يوحيإليه. فيكون الله عز وجل يوحي إليه بتوسطالعقل الفعال، فيكون ما يفيض من الله،تبارك وتعالى، إلى العقل الفعال يفيضهالعقل الفعال إلى عقله المنفعل بتوسطالعقل المستفاد، ثم إلى قوته المتخيلة.فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعلحكيما فيلسوفا ومتعقلا على التمام وبمايفيض منه إلى قوته المتخيلة نبيا منذرابما سيكون ومخبرا بما هو الآن "عن"الجزئيات، بوجود يعقل فيه الإلهي. وهذاالإنسان هو في أكمل مراتب الإنسانية وفيأعلى درجات السعادة.ن وتكون نفسه كاملةمتحدة بالعقل الفعال على الوجه الذي قلنا.وهذا الإنسان هو الذي يقف على كل فعل يمكنأن يبلغ به السعادة. فهذا أول شرائطالرئيس. ثم أن يكون له مع ذلك قدرة بلسانهعلى جودة التخيل بالقول لكل ما يعلمه،وقدرة على جودة الإرشاد إلى السعادة، وإلىالأعمال التي بها تبلغ السعادة، وأن يكونله مع ذلك جودة ثبات ببدنه لمباشرة أعمالالجزئيات. الباب الثامن والعشرون
القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة
خصال الرئيس الأول
فهذا هو الرئيس الذي لا يرأسه إنسان آخرأصلا. وهو الإمامن وهو الرئيس الأولللمدينة الفاضلة، وهو رئيس الأمةالفاضلة، ورئيس المعمورة من الأرض كلها.ولا يمكن أن تصير هذه الحال إلا لمن اجتمعتفيه بالطبع اثنتا عشرة خصلة قد فطر عليها:-أحدها أن يكون تام الأعضاء، قواها مؤاتيةأعضاءها على الأعمال التي شأنها أن تكونبها؛ ومتى همّ بعضوا ما من أعضائه عملايكون به فأتى عليه بسهولة.-ثم أن يكون بالطبع جيد الفهم والتصور لكلما يقال له، فيلقاه بفهمه على ما يقصدهالقائل، وعلى حسب الأمر في نفسه.-ثم أن يكون جيدا الحفظ لما يفهمه ولمايراه ولما يسمعه ولما يدركه، وفي الجملةلا يكاد ينساه.-ثم أن يكون جيد الفطنة، ذكيا، إذا رأىالشيء بأدنى دليل فطن له على الجهة التي دلعليها الدليل.-ثم أن يكون حسن العبارة، يؤاتيه لسانهعلى إبانة كل ما يضمره إبانة تامة.-ثم أن يكون محبا للتعليم والإستفادة،منقادا له، سهل القبول، لا يؤلمه تعبالتعليم، ولا يؤذيه الكد الذي ينال منه.-ثم أن يكون غير شره على المأكول والمشروبوالمنكوح، متجنبا بالطبع للعب، مبغضاللذات الكائنة عن هذه.-ثم أن يكون محبا للصدق وأهله، مبغضاللكذب وأهله.-ثم أن يكون كبير النفس، محبا للكرامة:تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الأمور،وتسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع منها.-ثم أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراضالدنيا هينة عنده.-ثم أن يكون بالطبع محبا للعدل وأهله،ومبغضا للجور والظلم وأهلهما، يعطي النصفمن أهله ومن غيره ويحث عليه، ويؤتى من حلبه الجور مؤاتيا لكل ما يراه حسنا وجميلا،ثم أن يكون عدلا غير صعب القياد، ولا جموحاولا لجوجا إذا دعي إلى العدل، بل صعبالقياد إذا دعي إلى الجور وإلى القبيح.-ثم أن يكون قويّ العزيمة على الشيء الذييرى أنه ينبغي أن يفعل، جسورا عليه،مقداما غير خائف، ولا ضعيف النفس. خصال الرئيس الثاني
وإجتماع هذه كلها في إنسان واحد عسر؛فلذلك لا يوجد من فطر على هذه الفطرة إلاالواحد بعد الواحد، والأقل من الناس. فإنوجد مثل هذا في المدينة الفاضلة ثم حصلتفيه، بعد أن يكبر، تلك الشرائط الستالمذكورة قبل أو الخمس منها دون الأندادمن جهة المتخيلة كان هو الرئيس. وإن اتفقأن لا يوجد مثله في وقت من الأوقات، أخذتالشرائع والسنن التي شرعها هذا الرئيسوأمثاله، إن الأول من اجتمعت فيه من مولدهوصباه تلك الشرائط، ويكون بعد كبره، فيهستس شرائط.-أحدها أن يكون حكيما.-والثاني أن يكون عالما حافظا للشرائعوالسنن والسير التي دبرها الأولونللمدينة، محتذيا بأفعاله كلها حذو تلكبتمامها.-والثالث أن يكون له جودة استنباط فيما لايحفظ عن السلف فيه شريعة، ويكون فيمايستنبطه من ذلك محتذيا حذو الأئمةالأولين.
-والرابع أن يكون له جودة روية وقوةاستنباط لما سبيله أن يعرف في وقت منالأوقات الحاضرة من الأمور والحوادث التيتحدث مما ليس سبيلها أن يسير فيه الأولون،ويكون متحريا بما يستنبطه من ذلك صلاح حالالمدينة.-والخامس أن يكون له جودة إرشاد بالقولإلى شرائع الأولين، وإلى التي استنبطبعدهم مما احتذى فيه حذوهم.-والسادس أن يكون له جودة ثبات ببدنه فيمباشرة أعمال الحرب، وذلك أن يكون معهالصناعة الحربية الخادمة والرئيسة.-فإذا لم يوجد إنسان واحد اجتمعت فيه هذهالشرائط ولكن وجد اثنان، أحدهما حكيم،والثاني فيه الشرائط الباقية، كانا همارئيسين في هذه المدينة. فإذا تفرقت هذه فيجماعة، وكانت الحكمة في واحد والثاني فيواحد والثالث في واحد والرابع في واحدوالخامس في واحد والسادس في واحد، وكانوامتلائمين، كانوا هم الرؤساء الأفاضل. فمتىاتفق في وقت ما أن لم تكن الحكمة جزءالرياسة وكانت فيها سائر الشرائط، بقيتالمدينة الفاضلة بلا ملك، وكان الرئيسالقائم بأمر هذه المدينة ليس بملك. وكانتالمدينة تعرض للهلاك. فإن لم يتفق أن يوجدحكيم تضاف الحكمة إليه، لم تلبث المدينةبعد مدة أن تهلك. الباب التاسع والعشرون
القول في مضادات المدينة الفاضلة
والمدينة الفاضلة تضادها المدينةالجاهلة، والمدينة الفاسقة، والمدينةالمتبدلة، والمدينة الضالة. ويضادها أيضامن أفراد الناس نوائب المدن.المدينة الجاهلة
والمدينة الجاهلة هي التي لم يعرف أهلهاالسعادة ولا خطرت ببالهم. إن ارشدوا إليهافلم يفهموها ولم يعتقدوها، وإنما عرفوا منالخيرات بعض هذه التي هي مظنونة في الظاهرأنها خيرات من التي تظن أنها هي الغايات فيالحياة، وهي سلامة الأبدان واليساروالتمتع باللذات، وأن يكون مخلى هواه، وأنيكون مكرما ومعظما. فكل واحد من هذه سعادةعند أه الجاهلة. والسعادة العظمى الكاملةهي اجتماع هذه كلها. وأضدادها هي الشقاء،وهي آفات الأبدان والفقر وأن لا يتمتعباللذات، وأن لا يكون مخلى هواه وأن لايكون مكرما.وهي تنقسم إلى جماعة مدن، منها:I- المدينة الضرورية، وهي التي قصد أهلهاالإقتصار على الضروري مما به قوام الأبدانمن المأكول والمشروب والملبوس والمسكونوالمنكوح، والتعاون على استفادتها.II- والمدينة البدالة هي التي قصد أهلها أنيتعاونوا على بلوغ اليسار والثروة، ولاينتفعوا باليسار في شيء آخر، لكن على أناليسار هو الغاية في الحياة.ج- ومدينة الخسة والسقوط، وهي التي قصدأهلها التمتع باللذة من المأكول والمشروبوالمنكوح، وبالجملة اللذة من المحسوسوالتخيل وإيثار الهزل واللعب بكل وجه ومنكل نحو.د- ومدينة الكرامة، وهي التي قصد أهلهاعلى أن يتعاونوا على أن يصيروا مكرمينممدوحين مذكورين مشهورين بين الأمم،ممجدين معظمين بالقول والفعل، ذوي فخامةوبهاء، إما عند غيرهم وإما بعضهم عند بعض،كل إنسان على مقدار محبته لذلك، أو مقدارما أمكنه بلوغه منه.هـ- ومدينة التغلب، وهي التي قصد أهلها أنيكون القاهرين لغيرهم، الممتنعين أنيقهرهم غيرهم، ويكون كدهم اللذة التيتنالهم من الغلبة فقط.و- والمدينة الجماعية، هي التي قصد أهلهاأن يكونوا أحرارا، يعمل كل واحد منهم ماشاء، لا يمنع هواه في شيء أصلا.وملوك الجاهلة على عهد مدنها، أن يكون كلواحد منهم إنما يدبر المدينة التي هو مسلطعليها ليحصل هواه وميله. وهمم الجاهلةالتي يمكن أن تجعل غايات هي تلك التيأحصيناها آنفا. المدينة الفاسقة
وأما المدينة الفاسقة، وهي التي آراؤهاالآراء الفاضلة، وهي التي تعلم السعادةوالله عز وجل والثواني والعقل الفعال، وكلشيء سبيله أن يعلمه أهل المدينة الفاضلةويعتقدونها، ولكن تكون أفعال أهلها أفعالأهل المدن الجاهلة.المدينة المبدلة - والمدينة المبدلة، فهيالتي كانت آراؤها وأفعالها في القديم آراءالمدينة الفاضلة وأفعالها، غير أنهاتبدلت فدخلت فيها آراء غير تلك، واستحالتأفعالها إلى غير تلك.
المدينة الضالة
-والمدينة الضالة، هي التي تظن بعد حياتهاهذه السعادة، ولكن غيرت هذه، وتعتقد فيالله عز وجل وفي الثواني وفي العقل الفعالآراء فاسدة لا يصلح عليها "حتى" ولا أن أخذتعلى أنها تمثيلات وتخيلات لها، ويكونرئيسها الأول ممن أوهم أنه يوحى إليه منغير أن يكون كذلك، ويكون قد استعمل في ذلكالتمويهات والمخادعات والغرور.وملوك هذه المدن مضادة لملوك المدنالفاضلة، ورياستهم مضادة للرياساتالفاضلة، وكذلك سائر من فيها. وملوك المدنالفاضلة الذين يتوالون في الأزمنةالمختلفة واحدا بعد آخر فكلهم كنفس واحدة،وكأنهم ملك واحد يبقى الزمان كله. وكذلك إناتفق منهم جماعة في وقت واحد، إما في مدينةواحدة، وإما في مدن كثيرة، فإن جماعتهمكملك واحد، ونفوسهم كنفس واحدة، وكذلك أهلكل رتبة منها، متى توالوا في الأزمانالمختلفة، فكلهم كنفس واحدة تبقى الزمانكله. وكذلك إن كان في وقت واحد جماعة من أهلرتبة واحدة، وكانوا في مدينة واحدة أو مدنكثيرة، فإن نفوسهم كنفس واحدة، كانت تلكالرتبة رتبة رياسة أو رتبة خدمة.وأهل المدينة الفاضلة لهم أشياء مشتركةيعلمونها ويفعولنها، وأشياء أخر من علموعلم يخص كل رتبة وكل واحد منهم. إنما يصير"كل واحد" في حدّ السعادة بهذين، أعنيبالمشترك الذي له ولغيره معا، وبالذي يخصأهل المرتبة التي هو منها. فإذا فعل ذلك كلواحد منهم، أكسبته أفعاله تلك هيئةنفسانية جيدة فاضلة؛ وكلما دوام عليهاأكثر، صارت هيئته تلك أقوى وأفضل، وتزايدتقوتها وفضيلتها. كما أن المداومة علىالأفعال الجيدة من أفعال الكتابة تكسبالإنسان جودة صناعة الكتابة، وكلما داومعلى تلك الأفعال أكثر صارت الصناعة التيبها تكون تلك الأفعال أقوى وأفضل، وتزيدقوتها وفضيلتها بتكرير أفعالها، ويكونالإلتذاذ التابع لتلك الهيئة النفسانيةأكثر، وإغتباط الإنسان عليها نفسه أكثر،ومحبته لها أزيد.وتلك حال الأفعال التي ينال بها السعادة:فإنها كلما زيدت منها وتكررت وواظبالإنسان عليها، صيرت النفس التي شأنها أنتسعد أقوى وأفضل وأكمل إلى أن تصير من حدالكمال إلى أن تستغني عن المادة، فتحصلمتبرئة منها، فلا تتلف بتلف المادة، ولاإذا بقيت احتاجت إلى مادة.فإذا حصلت مفارقة للمادة، غير متجسمةارتفعت عنها الأعراض التي تعرض للأجسام منجهة ما هي أجسام، فلا يمكن فيها أن يقالإنها تتحرك ولا إنها تسكن. وينبغي حينئذ أنيقال عليها الأقاويل التي تليق بما ليسبجسم. وكلما وقع في نفس الإنسان من شيئيوصف به الجسم بما هو جسم، فينبغي أن يسلبعن الأنفس المفارقة. وأن يفهم حالها هذهوتصورها عسير غير معتاد. وكذلك يرتفع عنهاكل ما كان يلحقها ويعرض لها بمقارنتهاللأجسام. ولما كانت هذه الأنفس التي فارقتأنفسا كانت في هيوليات مختلفة، وكان تبينأن الهيئات النفسانية تتبع مزاجاتالأبدان، بعضها أكثر وبعضها أقل، وتكون كلهيئة نفسانية على نحو ما يوجبه مزاج البدنالذي كانت فيه، فهيئتها لزم فيها ضرورة أنتكون متغايرة لأجل التغير الذي فيها كان.ولما كان تغاير الأبدان إلى غير نهايةمحدودة، كانت تغايرات الأنفس أيضا إلى غيرنهاية محدودة. الباب الثلاثون
القول في اتصال النفوس بعضها ببعض
وإذا مضت طائفة فبطلت أبدانها، وخلصتأنفسها وسعدت؛ فخلفهم ناس آخرون فيمرتبتهم بعدهم، قاموا مقامهم وفعلواأفعالهم. فإذا مضت هذه أيضا وخلصت صارواأيضا في السعادة إلى مراتب أولئك الماضين،واتصل كل واحد بشبيهه في النوع والكميةوالكيفية. ولأنها كانت ليست بأجسام صاراجتماعها، ولو بلغ مابلغ غير مضيق بعضهاعلى بعض مكانها، إذا كانت ليست في أمكنةأصلا، فتلاقيها واتصال بعضها ببعض ليس علىالنحو الذي توجد عليه الأجسام.
وكلما كثرت الأنفس المتشابهة المفارقة،واتصل بعضها ببعض، وذلك على جهة اتصالمعقول بمعقول، كان التذاذ كل واحد منهاأزيد شديدا. ولكما لحق بهم من بعدهم، زادالتذا1 من لحق الآن بمصادفة الماضين،وزادت لذات الماضين باتصال اللاحقين بهم،لأن كمل واحدة تعقل ذاتها وتعقل مثل ذاتهامرارا كثيرة، فتزداد كيفية ما يعقل؛ ويكونتزايد ما تلاقى هناك شبيها بتزايد قوةصناعة الكتابة بمداومة الكاتب على أفعالالكتابة. ويقوم تلاحق بعض ببعض في تزايد كلواحد، مقام ترادف أفعال الكاتب التي بهاتتزايد كتابته قوة وفضيلة. ولأنالمتلاحقين "هم" إلى غير نهاية، يكون تزايدقوى كل واحد ولذاته على غابر الزمان إلىغير نهاية.وتلك حال كل طائفة مضت. الباب الحادي والثلاثون
القول في الصناعات والسعادات
والسعادات تتفاضل بثلاثة أنحاء: بالنوع،والكمية، والكيفية. وذلك شبيه بتفاضلالصنائع ههنا.فتفاضل الصنائع بالنوع هو أن تكون صناعاتمختلفة بالنوع، وتكون إحداها أفضل منالأخرى، مثل الحياكة وصناعة البز وصناعةالعطر وصناعة الكناسة، ومثل صناعة الرقصوصناعة الفقه، ومثل الحكمة والخطابة.فبهذه الأنحاء تتفاضل الصنائع التيأنواعها مختلفة.وأهل الصنائع التي من نوع واحد بالكمية أنيكون كاتبان مثلا، علم أحدهما من أجزاءصناعة الكتابة أكثر، وآخر احتوى منأجزائها على أشياء أقل، مثل أن هذهالصناعة تلتئم باجتماع علم شيء من اللغةوشيء من الخطابة وشيء من جودة الخط وشيء منالحساب، فيكون بعضهم قد احتوى من هذه علىجودة الخط مثلا وعلى شيء من الخطابة؛ وآخراحتوى على اللغة وعلى شيء من الخطابة وعلىجودة الخط؛ وآخر على الأربعة كلها.والتفاضل في الكيفية هو أن يكون اثناناحتويا من أجزاء الكتابة على أشياءبأعيانها، ويكون أحدهما أقوى فيما احتوىعليه وأكثر دراية. فهذا هو التفاضل فيالكيفية.والسعادات تتفاضل بهذه الأنحاء أيضا.وأما أهل سائر المدن، فإن أفعالهم، لماكانت رديئة، أكسبتهم هيئات نفسانيةرديئة، كما أن أفعال الكتابة متى كانترديئة على غير ما شأن الكتابة أن تكونعليها، تكسب الإنسان كتابة أسوأ رديئةناقصة. وكلما واظب واحد منهم على تلكالأفعال ازدادت صناعته نقصا.وكذلك الأفعال الرديئة من أفعال سائرالمدن تكسب أنفسهم هيئات رديئة ناقصة،وكلما واظب واحد منهم على تلك الأفعالازدادت هيئته النفسانية نقصا، فتصيرأنفسهم مرضى. فلذلك ربما التذوا بالهيئاتالتي يستفيدونها بتلك الأفعال، كما أنمرضى الأبدان، مثل كثير من المحمومين،لفساد مزاجهم، يستلذون الأشياء التي ليسشأنها أن يلتذ بها من الطعوم، ويتأذونبالأشياء التي ليس شأنها أن يلتذ بها منالطعوم، ويتأذون بالأشياء التي شأنها أنتكون لذيذة، ولا يحسون بطعوم الأشياءالحلوة التي من شأنها أن تكون لذيذة. كذلكمرضى الأنفس، بفساد تخيلهم الذي اكتسبوهبالإرادة والعادة، يستلذون الهيئاتالرديئة والأفعال، ويتأذون بالأشياءالجميلة الفاضلة أو لا يتخيلونها أصلا.وكما أن في المرضى من لا يشعر بعلته، وفيهممن يظن مع ذلك أنه صحيح، ويقوى ظنه بذلكحتى لا يصغي إلى قول طبيب أصلا؛ كذلك منكان من مرضى الأنفس لا يشعر بمرضه ويظن معذلك أنه فاضل صحيح النفس فإنه لا يصغي أصلاإلى قول مرشد ولا معلم ولا مقوم. الباب الثاني والثلاثون
القول في أهل هذه المدن
أما أهل المدن الجاهلة، فإن أنفسهم تبقىغير مستكملة، ومحتاجة في قيامها إلىالمادة ضرورة، إذ لم يرتسم فيها رسم حقيقةبشيء من المعقولات الأول أصلا. فإذا بطلتالمادة التي بها كان قوامها، بطلت القوىالتي كان شأنها أن يكون بها قوام ما بطل،وانحل إلى شيء آخر، صار الذي بقي صورة مالذلك الشيء الذي إليه انحلت المادةالباقية. فكلما يتفق بعد ذلك أن ينحل ذاكأيضا إلى شيء، صار الذي يبقى صورة ما لذلكالشيء الذي إليه انحل، إلى أن ينحل إلىالاسطقسات، فيصير الباقي الأخير صورةالإسطقسات.
ثم من بعد ذلك يكون الأمر فيه على ما يتفقأن يتكون عن تلك الأجزاء من الاسطقسابتالتي إليها انحلت هذه. فإن اتفق أن تختلطتلك الأجزاء اختلاطا يكون عنه إنسان، عادقصار هيئة في إنسان؛ وإن اتفق أن تختلطاختلاطا يكون عنه نوع آخر من الحيوان أوغير الحيوان، عاد صورة لذلك الشيء. وهؤلاءهم الهالكون والصائرون إلى العدم، علىمثال ما يكون عليه البهائم والسباعوالأفاعي.وأما أهل المدينة الفاسقةس، فإن الهيئاتالنفسانية التي اكتسوبها من الآراءالفاضلة، فهي تخلص أنفسهم من المادة،والهيئات النفسانية الرديئة التياكتسبوها من الأفعال الرذيلة، فتقترن إلىالهيئات الأولى، فتكدر الأولى وتضادها؛فيلحق النفس من مضاده هذه لتلك أذى عظيم،وتضاد تلك الهيئات هذه، فيلحق هذه من تلكأيضا أذى عظيم. فيجتمع من هذين أذيانعظيمان للنفس. وإن هذه الهيئات المستفادةمن أفعال الجاهلة هي بالحقيقة يتبعها أذىعظيم في الجزء الناطق من النفس. وإنما صارالجزء الناطق لا يشعر بأذى هذه لتشاغلهبما تورد عليه الحواس. فإذا انفرد دونالحواس، شعر بما يتبع هذه الهيئات منالأذى، ويخلصها من المادة، ويفردها عنالحواس وعن جميع الأشياء الواردة عليها منخارج.كما أن الإنمسان المغتم، متى أورد الحواسعليه ما يشغله، لم يتأذ بما يغمه ولم يشعربه، حتى إذا انفرد دون الحواس، عاد الأذىعليه؛ وكذلك المريض الذي يتألم متى تشاغلبأشياء، إما أن يقل أذاه بألم المرض، وإماأن لم يشعر بالأذى. فإذا انفرد دون الأشياءالتي تشغله، يشعر بالأذى أو عاد إليهالأذى؛ كذلك الجزء الناطق، ما دام متشاغلابما تورده الحواس عليه، لم يشعر بأذى مايقترن به من الهيئات الرديئة، حتى إذاانفرد انفرادا تاما دون الحواس شعربالأذى، وظهر له أذى هذه الهيئات، فبقيالدهر كله في أذى عظيم. فإن ألحق به من هوفي مرتبته من أهل تلك المدينة، إزداد أذىكل واحد منهم بصاحبه؛ لأن المتلاحقين بلانهاية تكون زيادات أذاهم في غابر الزمانبلا نهاية. فهذا هو الشقاء المضاد للسعادة.وأما أهل المدن الضالة، فإن الذي أضلهموعدل بهم عن السعادة لأجل شيء من أغراض أهلالجاهلة وقد عرف السعادة، فهو من أهلالمدن الفاسقة؛ فذلك هو وحده دون أهلالمدينة شقي. فأما أهل المدينة أنفسهمفإنهم يهلكون وينحلون، على مثال ما يصيرغليه حال أهل الجاهلية.وأما أهل المدن المبدلة، فإن الذي بدلعليهم الأمر وعدل بهم، إن كان من أهل المدنالفاسقة شقي هو وحده، فأما الآخرون فإنهميهلكون وينحلون أيضا مثل أهل الجاهلة.وكذلك من عدل عن السعادة بسهو وغلط.وأما المضطرون والمقهوررون، من أهلالمدينة الفاضلة، على أفعال الجاهلية،فإن المقهور على فعل شيء، لما كان يتأذىبما يفعله من ذلك، صارت مواظبته على ما قسرعليه لا تكسبه هيئة نفسانية مضادة للهيئاتالفاضلة، فتكدر عليه تلك الحال حتى تصيرمنزلته منزلة أهل المدن الفاسقة، فلذلك لاتضره الأفعال التي أكره عليها، وإنما ينالالفاضل ذلك متى كان المتسلط عليه أحد أهلالمدن المضادة للمدينة الفاضلة، واضطرإلى أن يسكن في مساكن المضادين.
الباب الثالث والثلاثون
القول في الأشياء المشتركة لأهل المدينةالفاضلة
فأما الأشياء المشتركة التي ينبغي أنيعلمها جميع أهل المدينة الفاضلة فهيأشياء، أولها معرفة السبب الأول وجميع مايوصف به، ثم الأشياء المفارقة للمادة ومايوصف به كل واحد منها بما يخصه من الصفاتوالمرتبة إلى أن تنتهي من المفارقة إلىالعقل الفعال، وفعل كل واحد منها؛ ثمالجواهر السماوية وما يوصف به كل واحدمنها؛ ثم الأجسام الطبيعية التي تحتها،كيف تتكون وتفسد، وأن ما يجري فيها يجريعلى إحكام واتقان وعناية وعدل وحكمة، وأنهلا إهمال فيها ولا نقص ولا جور ولا بوجه منالوجوه؛ ثم كون الإنسان، وكيف تحدث قوىالنفس، وكيف يفيض عليها العقل الفعالالضوء حتى تحصل المعقولات الأول،والإرادة والاختيار؛ ثم الرئيس الأولوكيف يكون الوحي؛ ثم الرؤساء الذين ينبغيأن يخلفوه إذا لم يكن هو في وقت منالأوقات؛ ثم المدينة الفاضلة وأهلهاوالسعادة التي تصير إليها أنفسهم، والمدنالمضادة لها وما تؤول إليه أنفسهم بعدالموت: أما بعضهم إلى الشقاء بوأما بعضهمإلى العدم، ثم الأمم الفاضلة والأممالمضادة لها.وهذه الأشياء تعرف بأحد وجهين: إما أنترتسم في نفوسهم كما هي موجودة، وإما أنترتسم فيها بالمناسبة والتمثيل، وذلك أنيحصل في نفوسهم مثالاتها التي تحاكيها.فحكماء المدينة الفاضلة هم الذين يعرفونهذه ببراهين وببصائر أنفسهم. ومن يليالحكماء يعرفون هذه على ما هي عليه موجودةببصائر الحكماء اتباعا لهم وتصديقا لهموثقة بهم. والباقون منهم يعرفون بالمثالاتالتي تحاكيها، لأنهم لا هيئة في أذهانهملتفهمها على ما هي موجودة إما بالطبع وإمابالعادة وكلتاهما معرفتان. إلا أن التيللحكيم أفضل لا محالة؛ والذين يعرفونهابالمثالات التي تحاكيها، بعضهم يعرفونهابمثالات قريبة منها، وبعضهم بمثالات أبعدقليلا، وبعضهم بمثالات أبعد من تلك،وبعضهم بمثالات بعيدة جدا. وتحاكي هذهالأشياء لكل أمة ولأهل كل مدينة بالمثالاتالتي عندهم الأعرف فالأعرف، وربما اختلفعند الأمم أما أكثرة وأما بعضه، فتحاكيهذه لكل أمة بغير الأمور التي تحاكي بهاالأمة الأخرى. فلذلك يمكن أن يكون أممفاضلة ومدن فاضلة تختلف متلهم، فهم كلهميؤمون سعادة واحدة بعينها ومقاصد واحدةبأعيانها.وهذه الأشياء المشتركة، إذا كانت معلومةببراهينها، لم يمكن أن يكون فيها موضععناد بقول أصلا، لا على جهة المغالطة ولاعند من يسوء فهمه لها. فحينئذ يكونللمعاند، لا "حقيقة" الأمر في نفسه، ولكنما فهمه هو من الباطل في الأمر. فإما إذاكانت معلومة بمثالاتها التي تحاكيها، فإنمثالاتها قد تكون فيها مواضع للعناد،وبعضها يكون فيه مواضع العناد أقل، وبعضهايكون فيها مواضع العناد أكثر، وبعضها يكونفيه مواضع العناد أظهر، وبعضها يكون فيهأخفى.ولا يمتنع أن يكون في الذين عرفوا تلكالأشياء بالمثالات المحاكية، من يقف علىمواضع العناد في تلك المثالات ويتوقفعنده، وهؤلاء شيء ما رفع إلى مثال آخر أقربإلى الحق، لا يكون فيه ذلك العناد، فإن قنعبه ترك، وإن تزيف عنده ذلك أيضا رفع إلىمرتبة أخرى، فإن فنع به ترك. وإن تزيف عندهمثال في مرتبة ما رفع فوقه، فإن تزيفت عندهالمثالات كلها وكانت فيه فيه نية للوقوفعلى الحق عرف الحق، وجعل في مرتبةالمقلدين للحكماء؛ فإن لم يقنع بذلك وتشوقإلى الحكمة، وكان في نيته ذلك، علمها.وصنف آخر تتزيف عندهم المثالات كلها لمافيها من مواضع العناد، ولأنهم مع ذلك سيئوالإفهام، يغلطون أيضا عن مواضع الحق منالمثالات، فيتزيف منها عندهم ما ليس فيهاموضع للعناد أصلا.فإذا رفعوا إلى طبقة الحق حتى يعرفوها،أضلهم سوء إفهامهم عنه، حتى يتخيلوا الحقعلى غير ما هو به، فيظنون أيضا أن الذيتصوروه هو الذي ادعى الحق أنه هو الحق؛فإذا تزيف ذلك عندهم، ظنوا أن الذي تزيف هوالحق الذي يدعى أنه الحق لا الذي فهموه هم؛فيقع لهم لأجل ذلك أنه لا حق أصلا، وأنالذي يظن به أنه أرشد إلى الحق مغرور. وأنالذي يقال فيه إنه مرشد إلى الحق، مخادعمموه، طالب، بما يقول من ذلك، رئاسة أوغيرها.
وقوم من هؤلاء يخرجهم ذلك إلى أن يتحيروا؛وآخرون من هؤلاء يلوح لهم مثل ما يلوحالشيء من بعيد، أو مثل ما يتخيله الإنسانفي النوم أن الحق موجود ويباين من ادراكهلأسباب يرى أنها لا تتأتى له، فيقصد إلىتزييف ما أدركه، ولا يحسبه حينئذ حقا، ثميعلم أو يظن أنه أدرك الحق. الباب الرابع والثلاثون
القول في آراء أهل المدن الجاهلة والضالة
والمدن الجاهلة والضالة إنما تحدث متىكانت الملة مبنية على بعض الآراء القديمةالفاسدة.منها، أن قوما قالوا: إنّا نرى الموجوداتالتي نشاهدها متضادة، وكل واحد منها يلتمسإبطال الآخر؛ ونرى كل واحد منها، إذا حصلموجودا، أعطي مع وجوده شيئا يحفظ به وجودهمن البطلان، وشيئا يدفع به عن ذاته فعلضده، ويجوز به ذاته عن ضده، وشيئا يبطل بهضده ويفعل منه جسما شبيها به في النوع؛وشيئا يقتدر به على أن يستخدم سائرالأشياء فيما هو نافع في أفضل وجوده وفيدوام وجوده.وفي كثير منها جعل له ما يقهر به كل مايمتنع عليه، وجعل كل ضد من كل ضد ومن كل ماسواه بهذه الحال، حتى تخيل لنا أن كل واحدمنها هو الذي قصد، أو أن يجاز له وحده أفضلالوجود دون غيره. فلذلك جعل له كل ما يبطلبه كل ما كان ضارا له وغير نافع له، وجعل لهما يستخدم به ما ينفعه في وجوده الأفضل.فإنا نرى كثيرا من الحيوان يثب على كثير منباقيها، فيلتمس إفسادها، وإبطالها، منغير أن ينتفع بشيء من ذلك نفعا يظهر، كأنهقط طبع على أن لا يكون موجود في العالمغيره، أو أن وجود كل ما سواه ضار له، على أنيجعل وجود غيره ضارا له، وإن لم يكن منهشيء آخر على أنه موجود فقط. ثم إن كل واحدمنهما، إن لم يرم ذلك، التمس لأن يستعبدغيره فيما ينفعه، وجعل كل نوع من كل نوعبهذه الحال، وفي كثير منها جعل كل شخص منكل شخص في نوعه بهذه الحال. ثم خليت هذهالموجودات أن تتغالب وتتهارج.فالأقهر منها لما سواه يكون أتم وجودا.والغالب أبدا إما أن يبطل بعضه بعضا، لأنهفي طباعه أن وجود ذلك الشيء نقص ومضرة فيوجوده هو، وإما أن يستخدم بعضا ويستعبده،لأنه يرى في ذلك الشيء أن وجوده لأجله هو.ويرى أشياء تجري على غير نظام، ويرى مراتبالموجودات غير محفوظة، ويرى أمورا تلحق كلواحد على غير استئصال منه لما يلحقه منوجوده لا وجود "لنفسها" قالوا: وهذا وشبهههو الذي يظهر في الموجودات التي نشاهدهاونعرفها. فقال قوم بعد ذلك إن هذه الحالطبيعة الموجودات، وهذه فطرتها، والتيتفعلها الأجسام الطبيعية بطبائعها هيالتي ينبغي أن تفعلها الحيوانات المختارةباختياراتها واراداتها، والمرويةبرويتها. ولذلك رأوا أن المدن ينبغي أنتكون متغالبة متهارجة، لا مراتب فيها ولانظام، ولا استئهال يختص به أحد لكرامة أولشيء آخر؛ وأن يكون كل إنسان متوحدا بكلخير هو له أن يلتمس أن يغالب غيره في كل خيرهو لغيره، وأن الإنسان الأقهر لكل مايناويه هو الأسعد.ثم تحدث من هذه آراء كثيرة في المدن منآراء الجاهلية: فقوم رأوا ذلك أنه لاتحابولا ارتباط، لا بالطبع ولا بالإرادة، وأنهينبغي أن يبغض كل انسان كل انسان، وأنينافر كل واحد كل واحدج، ولا يرتبط اثنانإلا عند الضرورة، ولا يأتلفان إلا عندالحاجة، ثم يكون بعد اجتماعهما على مايجتمعان عليه بأن يكون أحدهما القاهروالآخر مقهورا، وان اضطر لأجل شيء وارد منخارج أن يجتمعا ويأتلفان فينبغي أن يكونذلك ريث الحاجة، وما دام الوارد من خارجيضطرهما إلى ذلك؛ فإذا زال فينبغي أنيتنافرا ويفترقا. وهذا هو الداء السبعي منآراء الإنسانية.وآخرون لما رأوا أن المتوحد لا يمكنه أنيقوم بكل ما به إليه حاجة دون أن يكون لهموازرون ومعاونون، يقوم له كل واحد بشيءمما يحتاج إليه، رأوا الإجتماع فقوم رأواأن ذلك ينبغي أن يكون بالقهر، بأن يكونالذي يحتاج إلى موازرين يقهر قوما،فيستعبدهم، ثم يقهر بهم آخرين فيستعبدهمأيضا. وأنه لا ينبغي أن يكون موازره مساوياله، بل مقهورا؛ مثل أن يكون أقواهم بدناوسلاحا يقهر واحدا، حتى صار ذلك مقهورا لهقهر به واحدا آخر أو نفرا، ثم يقهر بأولئكآخرين، حتى يجمع له موازرين على الترتيب.فإذا اجتمعوا له صيرهم آلات يستعملهم فيمافيه هواه.
وآخرون رأوا ههنا ارتباطا وتحاباوائتلافا، واختلفوا في التي بها يكونالارتباط: فقوم رأوا أن الإشتراك فيالولادة من والد واحد هو الإرتباط به، وبهيكون الإجتماع والإئتلاف والتحابوالتوازر على أن يغلبوا غيرهم، وعلىالإمتناع من أن يغلبهم غيرهم. فإن التباينوالتنافر بتباين الآباء،والإشتراك فيالوالد الأخص والأقرب يوجب ارتباطا اشد،وفيما هو أعم يوجب ارتباطا أضعف؛ إلى أنيبلغ من العموم والبعد إلى حيث ينقطعالارتباط أصلا يوكون تنافرا؛ إلا عندالضرورة الواردة من خارج، مثل شر يدهمهم،ولا يقومون بدفعه إلا باجتماع جماعاتكثيرة. وقوم رأوا أن الارتباط هوبالاشتراك في التناسل، وذلك بأن ينسلذكورة أولاد هذه الطائفة من إناث أولادأولئك، وذكورة أولاد أولئك من إناث أولادهؤلاء، وذلك التصاهر. وقوم رأوا أنالارتباط هو باشتراك في الرئيس الأول الذيجمعهم أولا ودبرهم حتى غلبوا به، ونالواخيرا ما من خيرات الجاهلية.وقوم رأوا أن الارتباط هو بالإيمانوالتحالف والتعاهد على ما يعطيه كل إنسانمن نفسه، ولا ينافر الباقين ولا يخاذلهم،وتكون أيديهم واحدة في أن يغلبوا غيرهم،وأن يدفعوا عن أنفسهم غلبة غيرهم لهم.وآخرون رأوا أن الارتباط هو بتشابه الخلقوالشيم الطبيعية، والإشتراكن في اللغةواللسان؛ وأن التباين يباين هذه. وهذا هولكل أمة. فينبغي أن يكونوا فيما بينهممتحابين ومنافرين لمن سواهم؛ فإن الأممإنما تتباين بهذه الثلاث.وآخرون رأوا أن الارتباط هو بالاشتراك فيالمنزل، ثم الإشتراك في المساكن، وأنأخصهم هو بالاشتراك في المنزل، ثمالاشتراك في السكة، ثم الاشتراك فيالمحلة. فلذلك يتواسون بالجارن فإن الجارهو المشارك في السكة وفي المحلة؛ ثمالاشتراك في المدينة، ثم الاشتراك فيالصقع الذي فيه المدينة.وههنا أيضا أشياء يظن أنه ينبغي أن يكونلها ارتباط جزئي بين جماعة يسيرة وبين نفروبين اثنين، منها طول التلاقي، ومنهاالاشتراك في طعام يؤكل، وشراب يشرب، ومنهاالاشتراك في الصنائع، ومنها الإشتراك فيشر يدهمهم، وخاصة متى كان نوع الشر واحداوتلاقوا، فإن بعضهم يكون سلوة بعض. ومنهاالإشتراك في لذة ما، ومنها الاشتراك فيالأمكنة التي لا يؤمن فيها أن يحتاج كلواحد إلى الآخر، مثل الترافق في السفر. الباب الخامس والثلاثون
القول في العدل أو في علاقات المدن والأمم
قالوا: فإذا تميزت الطوائف بعضها عن بعضبأحد هذه الارتباطات، إما قبيلة عن قبيلة،أو مدينة عن مدينة، أو أحلاف عن أحلاف، أوأمة عن أمة، كانوا مثل تميز كل واحد عن كلواحد؛ فإنه لا فرق بين أن يتميز كل واحد عنكل واحد أو يتميز طائفة عن طائفة؛ فينبغيبعد ذلك أن يتغالبوا ويتهارجوا. والأشياءالتي يكون عليها التغالب هي السلامةوالكرامة واليسار واللذات وكل ما يوصل بهإلى هذه. وينبغي أن يروم كل طائفة أن تسلبجميع ما للأخرى من ذلك، وتجعل ذلك لنفسها،ويكون كل واحد من كل واحد بهذه الحال.وتجعل ذلك لنفسها ويكون كل واحد من كل واحدبهذه الحال. فالقاهرة منها للأخرى على هذههي الفائزة، وهي المغبوطة، وهي السعيدة.وهذه الأشياء هي التي في الطبع، إما في طبعكل إنسان أو في طبع كل طائفة، وهي تابعةلما عليه طبائع الموجودات الطبيعية. فمافي الطبع هو العدل. فالعدل إذا التغالب.والعدل هو أن يقهر ما اتفق منها. والمقهورإما أن يقهر على سلامة بدنه، أو هلك وتلف،وانفرد القاهر بالوجود؛ أو قهر على كرامتهوبقي ذليلا ومستعبدا، تستعبده الطائفةالقاهرة ويفعل ما هو الأنفع للقاهر في أنينال به الخير الذي عليه غالب ويستديم به.فاستعباد القاهر للمقهور هو أيضا منالعدل. وأن يفعل المقهور ما هو الأنفعللقاهر هو أيضا عدل. فهذه كلها هو العدلالطبيعي، وهي الفضيلة. وهذه الأفعال هيالأفعال الفاضلة فإذا حصلت الخيراتللطائفة القاهرة فينبغي أن يعطى من هوأعظم غناءا في الغلبة على تلك الخيرات منتلك الخيرات أكثر، والأقل غناء فيها أقل.وإن كانت الخيرات التي غلبوا عليها كرامة،أعطي الأعظم غناءً فيه كرامة أكبر، وإنكانت أموالا أعطي أكثر. وكذلك في سائرها.فهذا هو أيضا عدل عندهم طبيعي.
قالوا: وأما سائر ما يسمى عدلا، مثل ما فيالبيع والشراء، ومثل رد الودائع، ومثل أنلا يغضب ولا يجور، وأشباه ذلكن فإنمستعمله إنما يستعمله أولا لأجل الخوفوالضعف وعند الضرورة الواردة من خارج.وذلك أن يكون كل واحد منهما كأنهما نفسانأو طائفتان مساوية "إحداهما" في قوتهاللأخرى، وكانا يتداولان القهر. فيطول ذلكبينهما؛ فيذوق كل واحد الأمرين، ويصير إلىحال لا يحتملها، فحينئذ يجتمعانويتناصفان، ويترك كل واحد منهما للآخر مماكانا يتغالبان عليه قسطا ما؛ فتبقى سماته،ويشرط كل واحد منهما على صاحبه أن لا يرومنزع ما في يديه إلا بشرائط، فيصطلحانعليها. فيحدث من ذلك الشرائط الموضوعة فيالبيع والشراء، ويقارب الكرامات ثمالمواساة وغير ذلك مما جانسها. وإنما يكونذلك عند ضعف كل من كل، وعند خوف كل من كل.فما دام كل واحد من كل واحد في هذه الحالفينبغي أن يتشاركا. ومتى قوي أحدهما علىالآخر فينبغي أن ينقض الشريطة ويرومالقهر.أو يكون الأثنان ورد عليهما من خارج شيءعلى أنه لا سبيل إلى دفعه إلا بالمشاركةوترك التغالب، فيتشاركان ريث ذلك؛ أو يكونلكل واحد منهما همة في شيء يريد أن يغلبعليه، فيرى أنه لا يصل غليه إلا بمعاونةالآخر له وبمشاركة له. فيتركان التغالببينهما ريث ذلك، ثم يتعاندان. فإذا وقعالتكافؤمن الفرق بهذه الأسباب وتمادىالزمان على ذلك، ونشأ على ذلك من لم يدركيف كان أول ذلك، حسب أن العدل هو هذاالموجود الآن، ولا يدري أنه خوف وضعف.فيكون مغرورا بما يستعمل من ذاك. فالذييستعمل هذه الأشياء، إما ضعيف أو خائف أنيناله من غيره مثل الذي يجد في نفسه منالشوق إلى فعله، وإما مغرور. الباب السادس والثلاثون
القول في الخشوع
وأما الخشوع فهو أن يقال إن إلها يديرالعالم، وإن الروحانيين مدبرون مشرفونعلى جميع الأفعال، واستعمال تعظيم الإلهوالصلوات والتسابيح والتقاديس، وأنالإنسان إذا فعل هذه وترك كثيرا منالخيرات المتشوقة في هذه الحياة، وواظبعلى ذلك عوض عن ذلك وكوفي بخيرات عظيمة يصلإليها بعد موته. وإن هو لم يتمسك بشيء منهذه، وأخذ الخيرات في حياته، عوقب عليهابعد موته بشرور عظيمة ينالها في الآخرة.فإن هذه كلها أبواب من الحيل والمكايدةعلى قوم لوقم؛ فإنها حيل ومكايد لمن يعجزعن المغالبة على هذه الخيرات بالمصالحةوالمجاهدة؛ ومكايد يكايدن بها من لا قدرةله على المجاهدة والصلابةن ببدنه وصلاحهوخبث رويته ومعاونته بتخويف9هم وقمعهم لأنيتركوا هذه الخيرات كلها أو بعضها ليفوزبها آخرون، ممن يعجز عن المجاهدة بأخذهاوبالغلبة عليها.فإن المتمسك بهذه يظن به أنه غير حريصعليها، ويظن به الخير؛ فيركن غليه ولايحذر ولا يتقى ولا يتهم، بل يخفى مقصدهوتوصف سيرته أنها الإلهية؛ فيكون زيهوصورته صورة من لا يريد هذه الخيراتلنفسه؛ فيكون ذلك سببا لأن يكرم ويعظمويوسل لسائر الخيرات، وتنقاد النفوس له،فتحبه فلا تنكر ارتكاب هواه في كل شيء، بليحسن عند الجميع قبيح ما يعمله، ويصيربذلك إلى غلبة الجميع على الكراماتوالرياسات والأموال واللذات ونيل الحرية،فتلك الأشياء إنما جعلت لهذه.وكما أن صيد الوحوش، منه ما هو مغالبةومجاهدة، ومنه ما هو مخاتلة ومكايدة، كذلكالغلبة على هذه الخيرات أن تكون بمغالبته،أو تكون بمخاتلته. ويطارد بأن يتوهمالإنسان في الظاهر أن مقصده شيء آخر غيرالذي هو بالحقيقة مقصده، ولا يحذر ولايتقي ولا ينازع، فيناله بسهولة.فالمتمسك بهذه الأشياء والمواظب عليها،متى كان إنما يفعل ذلك ليبلغ الشيء الذيجعل هذه لأجله، وهو المواتاة بها فيالظاهر ليفوز بإحدى تلك الخيرات أوبجميعها، كان عند الناس مغبوطا. فيزدادبيقين وحكمة وعلم ومعرفة، جليلا عندهم،معظما ممدوحا؛ ومتى كان يفعل ذلك لذاته لالينال به هذه الخيرات، كان عند الناسمخدوعا، مغرورا، شقيا، أحمق، عديم العقل،جاهلا بحظ نفسه، مهينا، لا قدر له، مذموما.غير أن كثيرا من الناس يظهرون مديحتهلسخرية به؛ وبعضهم يقويه لنفسه في أنلايزاحم في شيء من الخيرات، بل يتركهاليتوفر عليه وعلى غيره؛ وبعضهم يمدحونطريقته ومذهبه خوفا أن يسلبهم ما عندهمعلى طريقته. وقوم آخرون يمدحونه ويغبطونهلأنهم أيضا مغرورون مثل غروره.
فهذه وما أشبهها هي آراء الجاهلة التيوقعت في نفوس كثير من الناس عن الأشياءالتي تشاهد في الموجودات. وإذا حصلت لهمالخيرات التي غلبوا عليها، فينبغي أن تحفظوتستدام وتمد وتزيد، فإنها إن لم يفعل بهاذلك نفدت.فقوم منهم رأوا أن يكونوا أبدا بأسرهميطلبون مغالبة آخرين أبدا.وكلما غلبوا طائفة ساروا إلى أخرى. وآخرونيرون أن يمتدوا ذلك من أنفسهم ومن غيرهم،فيحفظونها ويدبرونها، أما من أنفسهمفبالغاية الإرادية، مثل البيع والشراءوالتعاوض وغير ذلك، وأما من غيرهمفبالغلبة، وآخرون رأوا تزييدها في غيرهمبالوجهين جميعا.وآخرون رأوا ذلك بأن جعلوا أنفسهم قسمين:قسما يرديون تلك ويمدونها من أنفسهمبمعاملات، وقسما يغالبون عليهم، فيحصلونطائفتين، كل واحدة منفردة بشيء: إحداهمابالمغالبة والأخرى بالمعاملة الإرادية.وقوم منهم رأوا أن الطائفة المعاملة منهاهي إناثهم، والمغالبة هي ذكورهم. وإذا ضعفبعضهم عن المغالبة جعل في المعاملة. فإن لميصلح لا لذا ولا لذاك جعل فضلا. وآخرونرأوا أن تكون الطائفة المعاملة قوما آخرينغير ما يغلبونهم ويستعبدونهم، فيكونوا همالمتولين لضرورتهم ولحفظ الخيرات التييغلبون عليها وإمدادها وتزييدها.وآخرون قالوا إن التغالب في الموجوداتإنما هي بين الأنواع المختلفة، وأماالداخلية تحت نوع واحد فإن النوع هورابطها الذي لأجله ينبغي أن يتسالم.فالإنسانية للناس هي الرباط؛ فينبغي أنيتسالموا بالانسانية، ثم يغالبون غيرهمفيما ينتفعون به من سائرها ويتركون ما لاينتفعون به. فما كان مما لا ينتفع به ضاراغلب على وجوده، وما لم يكن ضارا تركوه.وقالوا: فإذا كان كذلك فإن الخيرات التيسبيلها أن يكتسبها بعضهم عن بعض، فينبغيأن تكون بالمعاملات الإرادية، والتيسبيلها أن تكتسب وتستفاد من سائر الأنواعالأخر، فينبغي أن تكون بالغلبة إذ كانتالأخرى لا نطق لها فتعلم المعاملاتالإرادية. وقالوا: فهذا هو الطبيعيللإنسان. فأما الإنسان المغالب فليس بماهو مغالب طبيعيا. ولذلك إذا كان لا بد من أنيكون ههنا أمة أو طائفة خارجة عن الطبيعيللإنسان، تروم مغالبة سائر الطوائفعلىالخيرات التي بها، اضطرت الأمةوالطائفة الطبيعية إلى قوم منهم ينفردونبمدافعة أمثال أولئك إن وردوا عليهميطلبون مغالبتهم، وبمغالبتهم على حقهؤلاء إن كانوا أولئك غلبوا عليه، فتصيركل طائفة فيها قوتان: قوة تغالب بهاوتدافع، وقوة تعامل بها. وهذه التي بهاتدافع ليست لها على أنها تفعل ذلكبارادتها، لكن يضطرها إلى ذلك بما يردعليها من خارج. وهؤلاء على ضد ما عليهأولئك، فإن أولئك يرون أن المسالمة لابوارد من خارج، وهؤلاء يرون أن المغالبةلا بوارد من خارج. فيحدث من ذلك هذا الرأيالذي للمدن المسالمة. الباب السابع والثلاثون
القول في المدن الجاهلة
المدن الجاهلة، منها الضرورية، ومنهاالمبدلة، ومنها لاساقطة، ومنها الكرامية،ومنها الجماعية. وتلك الأخرى، سوىالجماعية، إنما همة أهلها جنس واحد منالغايات. وأما الجماعية فذات همم كثيرة: قداجتمع فيها همم جميع المدن. فالغلبةوالمدافعة التي تضطر إليها المدنالمسالمة، إما أن تكون في جماعتهم، وإماأن تكون في طائفة بعينيها، حتى يكون أهلالمدينة طائفتين: طائفة فيها القوة علىالمغالبة والمدافعة، وطائفة ليس فيها ذلك.فبهذه الأشياء يستديمون الخيرات التي هيلهم. وهذه الطائفة، من أهل الجاهلة، هيسليمة النفوس، وتلك الأولى رديئة النفوسلأنها ترى المغالبة هي الخير، وذلكبوجهين: مجاهدة ومخاتلة. فمن قدر منهم علىالمجاهدة فعل ذلك، وإن لم يقدر فالبالدغلوالغش والمراياة والتمويه والمغالطة.
والآخرون اعتقدوا أن ههنا سعادة وكمالا،يصل إليه الإنسان بعد موته وفي الحياةالأخرى؛ فإن ههنا فضائل وأفعالا فاضلة فيالحقيقة يفعلها لينال بها السعادة بعدالموت. ونظروا، فإذا ما يشاهدون فيالموجودات الطبيعية لا يمكن أن ينكرواويجحدوا؛ وظنوا أنهم إن سلموا أن جميعهاطبيعي على ما هو مشاهد، أوجب ذلك ما ظنهأهل الجاهلة. فرأوا لذلك أن يقولوا إنللموجودات الطبيعية المشاهدة على هذهالحال، وجودا آخر غير الوجود المشابهداليوم، وإن هذا الوجود الذي لها لايوم غيرطبيعي لها بل هي مضادة لذلك الوجود الذي هوالوجود الطبيعي لها. وإنه ينبغي أن يقصدبالإرادة، ويعلم في إبطال هذا الوجودليحصل ذلك الوجود الذي هو الكمال الطبيعي،لأن هذا الوجود هو العائق عن الكمال، فإذابطل هذا، حصل بعد بطلانه الكمال.وآخرون يرون أن وجزد الموجودات حاصل لهااليوم، ولكن اقترنت إليها واختلطت بهاأشياء أخر، أفسدتها وعاقتها عن أفعالها،وجعلت كثيرا منها على غير صورتها، حتى ظنمثلا بما ليس بإنسان أنه إنسان، وبماهوإنسان أنه ليس بإنسان، وبما هو فعلالإنسان أنه ليس بفعل له، وبما ليس بفعل لهأنه فعل له، حتى صار الإنسان في هذا الوقتلا يعقل ما شأنه أن يعقل، ويعقل ما ليسشأنه أن يعقل.ويرى في أشياء كثيرة أنها صادقة وليستكذلك، ويرى في أشياء كثيرة أنها محالة منغير أن تكون كذلك.وعلى الرأيين جميعا، يرون إبطال هذاالوجود المشاهد، ليحصل ذلك الوجود. فإنالإنسان هو أحد الموجودات الطبيعية، وإنالوجود الذي له الآن ليس هو وجودهالطبيعي؛ بل وجوده الطبيعي وجود آخر غيرهذا، وهذا الذي له الآن مضاد لذلك الوجودوعائق عنه؛ وأن الذي للإنسابن هو اليوم منالوجود فشيء غير طبيعي.فقوم رأوا أن اقتران النفس بالبدن ليسبطبيعي، وأن الإنسان هو النفس؛ واقترانالبدن إليها مفسد لها مغير لأفعالها،والرذائل إنما تكون عنها لأجل مقارنةالبدن لها، وإن كمالها وفضيلتها أن تخلصمن البدن؛ وأنها في سعادتها ليست تحتاجإلى بدن، ولا أيضا في أن تنال السعادةتحتاج إلى بدن ولا إلى الأشياء الخارجة عنالبدن، مثل الأموال والمجاورين والأصدقاءوأهل المدينة؛ وأن الوجود البدني هو الذييحوج إلى الإجتماعات المدنية وإلى سائرالأشياء الخارجة. فرأوا لذلك أن يطرح هذاالوجود البدني.وآخرون رأوا أن البدن طبيعي له، ورأوا أنعوارض النفس هي التي ليست طبيعية للإنسان،وأن الفضيلة التامة، التي بها تنالالسعادة، هي إبطال العوارض وإماتتها. فقومرأوا ذلك في جميع العوارض، مثل الغضبوالشهوة وأشباههما، لأن8هم رأوا أن هذه هيأسباب إيثار هذه التي هي خيرات مظنونة،وهي الكرامة واليسار واللذات، وأن إيثارالغلبة إنما يكون بالغضب وبالقوةالغضبية، والتباين والتنافر يكون بهذا،فرأوا لذلك إبطالها كلها. وقوم رأوا ذلك فيالشهوة والغضب وما جانسهما، وأن الفضيلةوالكمال إبطالهما وقوم رأوا ذلك في عوارضغير هذه، مثل الغيرة والشح وأشبابهماولذلك رأى قوم أن الذي يفيد الوجودالطبيعي غير الذي يفيد الوجود الذي لهماالآن؛ ثم إن السبب الذي عنه وجدت الشهوةوالغضب وسائر عوارض النفس، مضاد للذي أفادالجزء الناطق. فجعل بعضهم أسباب ذلك تضادالفاعلين، مثل أنبدقليس. وبعضهم جعل سببذلك تضاد المواد، مثل فرمانيدس في آرائهالظاهرة، وغيره من الطبيعيين.وغير هذه الآراء يتفرع ما يحكى عن كثير منالقدماء: "مت بالارادة تحي بالطبيعة" فإنهميرون أن الموت موتان: موت طبيعي وموتإرادي. ويعنون بالموت الإرادي إبطال عوارضالنفس من الشهوة والغضب؛ وبالموت الطبيعيمفارقة النفس الجسد. ويعنون بالحياةالطبيعية الكمال والسعادة. وهذا على رأيمن رأى أن عوارض النفس من الشهوة والغضبقسر في الإنسان.
والتي ذكرناها من آراء القدماء فاسدة،تفرعت منها آراء انبثت منها ملل في كثير منالمدن الضالة وآخرون، لما شاهدوا من أحوالالموجودات الطبيعية تلك التي اختصصناهاأولا، من أنها توجد موجودات مختلفةمتضادة، وتوجد حينا ولا توجد حينا، وسائرما قلنا، رأوا أن الموجودات التي هي الآنمحسوسة أو معقولة، ليست لها جواهر محدودة،ولا لشيء منها طبيعة تخصه، حتى يكون جوهرههو تلك الطبيعة وحدها فقط، ولا يكونغيرها، بل كل واحد منها جوهره أشياء غيرمتناهية، مثل الإنسابن مثلا؛ فإن المفهوممن هذا اللفظ شيء غير محدود الجوهر، ولكنجوهره وما يفهم منه أشياء لا نهاية لها.غير أن ما أحسسناه الآن من جوهره هو هذاالمحسوس، والذي عقلنا منه هو هذا الذينزعم أن نعقله منه اليوم. وقد يجوز أن يكونذلك شيئا آخر، غير هذا المعقول وغير هذاالمحسوس. وكذلك في كل شيء هو الآن ليس هوموجودا، فإن جوهره ليس هو هذا المعقول منلفظه فقط، لكنه هذا وشيء آخر غيره مما لمنحسه ولم نعقله، مما لو جعل ذلك مكان هذاالذي هو الآن موجود لأحسسناه أو لعقلناه.ولكن الذي حصل موجودا هو هذا؛ فإن لم يقلقائل إن الطبيعة طبيعة المفهوم من كل لفظ،ليس هو هذا المعقول الآن، لكنه أشياء أخرغير متناهية، بل قال إنه هذا ويجوز ويمكنإذا وضع موجودا لم يلزم منه محال.وكذلك في كل ما عندنا أنه لا يجوز غيره أولم يمكن غيره، وقد يجوز أن يكون غيره، وأنهليس الذي تلزم ضرورة عن تضعيف ثلاثة ثلاثمرات وجود التسعة، بل ليس جوهرة ذلك. لكنيمكن أن يكون الحادث عن ذلك شيئا آخر منالعدد، أو ما اتفق من سائر الموجودات غيرالعدد، أي شيء اتفق، أو شيئا آخر لم نحسهولم نعقله، بل قد يمكن أن يكون محسوساتومعقولات بلا نهايةس، لم تحس بعد، ولمتعقل، أو لم توجد فتحس أو تعقل. وكذلك كللازم عن شيء ما، فإنه ليس إنما يلزم لأنجوهره ذلك الشيء ألزم ذلك، بل لأنه هكذااتفق، ولأن فاعلا من خارج ذلك الشيء كونالآخر عنده أو في زمان كون ذلك أو عند حالمن أحواله.فإنما حصول كل موجود الآن على ماهو عليه موجود، إما باتفقا، وإما لأنفاعلا من خارج أوجدهما، وقد كان يمكن أنيحصل بدل ما يفهم عن لفظ الإنسان شيئا آخرغير ما نعقل اليوم؛ وشاء ذلك الفاعل أنيجعل من بين تلك التي كان يقدر أن يجعلهاهذا المعقول؛ فصرنا لا نحس ولا نفهم منهغير هذا الوجه أحدا. وهذا من جنس راي مني رىأن كل ما نعقل اليوم من شيء، فقد يمكن أنيكون ضده ونقيضه هو الحق؛ إلا أن اتفق لناأوكد أن نجعل في أوهامنا أن الحق هو هذاالآن الذي نرى، أن المفهوم من لفظالإنسان، قد يمكن أن يكون شيئا آخر غيرالمفهوم منه اليوم، وأشياء غير متناهية.على أن كل واحد من تلك هو طبيعية هذه الذاتالمفهومة، وأن تلك إن كانت هي وهذاالمعقول اليوم شيئا واحدا في العدد، فليسالمعقول اليوم شيئا واحدا في العدد، وليسالمعقول من لفظ الإنسان بشيء آخر غير هذاالمعقول اليوم. فإن كانت ليست هي واحدةبالعدد بل كثيرة مختلفة الحدود، فاسمالإنسان يقال عليهما بالاشتراك؛ وإن كانتمع ذلك مما يمكن أن يزهر في الوجود معا،كانت على مثال ما يقال عليهما إسم العيناليوم، ويكون أيضا أشياء بلا نهاية فيالعدد معا؛ وإن كانت مما لا يمكن أن يوجدمعا، بل كانت تتعاقب، فهي متضادة أومتقابلة في الجملة، وإن كانت متقابلةوكانت بلا نهاية أو متناهية، لزم أن يكونكل ما عندنا أنه لا يجوز غيره أو نقيضه؛فإنه يمكن ان يكون نقيضه أو ضده أو مقابلهفي الجملة هو أيضا حق: إما بدل هذا أو معضده. فيلزم من هذا أن لا يصح قول يقال أصلا،فإنه إن وضع شيء ما طبيعة شيء ما، جاز أنيكون غير ذلك الذي يفهم على لفظه اليوم.وطبيعة شيء ما مما لا ندري أي شيء هو ممايمكن أن يصير موجودا، فيحس أو يعقل ويصيرمفهموما؛ ولكن ليس هو معقولا عندنا اليوم.وذلك الذي لا ندري الآن أي شيء هو، وقديمكن أن يكون ضده أو مقابلة في الجملة،فيكون ماهو محال عندنا ممكنا أن لا يكونمحالا.وبهذا الرأي وما جانسه تبطل الحكمة،وتجعل ما يرسم في النفوس أشياء محالة علىأنها حق؛ بأنها تجعل الأشياء كلها ممكنةأن توجد في جواهرها وجودات متقابلةووجودات بلا نهاية في جواهرها وأعراضها،ولا تجعل شيئا محالا أصلا.
باشد همان دختر را طلاق گفته است، و آن زنىرا كه مىخواسته بخواهد زن زيد نشده، زيدرجوع به همان دختر كرده و انكار كرده استكه وطى به مادر او را دروغ گفتهام، به سبباين كه حقّ الصداق بر ذمّه من قرار نگيرد،آيا اقرار اوّل صحيح است يا انكار اخير؟(ج:) بدان كه خلاف است در اين كه آيا هر گاهكسى پيش از تزويج دخترى با مادر آن زنا كنديا بر عكس، آن دختر را بعد مىتواند بگيرديا نه، شيخ طوسى و قاضى و ابن حمزه قائل بهحرمت شدهاند، و در كفايه و مفاتيح و شرحمفاتيح آن را نسبت به مشهور دادهاند، بهجهت چند وجه كه عمده آنها اخبار است. مثل:صحيحه محمّد بن مسلم، «1» و صحيحه عيص، «2»و صحيحه منصور، «3» و صحيحه ديگر از محمّدبن مسلم «4» كه در رضاع وارد شده، و صحيحهابى بصير «5» و روايت على بن جعفر، «6» وصدوق در مقنع و سيّد مرتضى و شيخ مفيد و شيخطوسى در تبيان و سلّار و ابن ادريس و محقّقدر نافع و علّامه در ارشاد و تذكره و صاحبكفايه قائل به عدم حرمت شدهاند، و ظاهرتذكره شهرت اين قول است، بلكه از صريح سيّددر ناصريّات و ظاهر سرائر ادّعاى اجماع برآن نقل شده، به جهت عموماتى كه در اخبارصحيحه بسيار وارد شده كه: الحرام لا يحرّمالحلال. «7» و به جهت عمومات كتاب و سنّت وخصوص اخبار صحيحه و غير صحيحه، مثل صحيحهسفيان بن يسار، «8» و صحيحه صفوان، «9» وموثّقه